خلال الثورة السورية التي بدأت في 15 أذار من العام 2011، والمستمرة إلى الآن، تشكلت فصائل عسكرية وتنظيمات مختلفة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بمسميات و رايات مختلفة. بهدفٍ مشترك واحد في البداية ألا وهو محاربة النظام، ثم ما لبثت الصراعات أن بدأت تنشب بين صفوفها، لتكون أكثر ضحاياها من فئة الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين (20 إلى 40) عام.

تركت تلك الفصائل أثراً سلبياً على حياة من انخرط في صفوفها، خصوصا بعض التنظيمات ذات الفكر التكفيري، والتي تعزف على وتر الدين محاولة إقناع الناس البسطاء بأفكارهم، ليركض خلفها عدد كبير من الشباب بدون وعي، فتؤدلجهم على أفكار محددة، يقتنعون بها لدرجة إنهم يلبون إن طلب منهم حمل السلاح والقتل.

وشهدت على ذلك ذلك المجزرة التي قام بها جند الأقصى سنة 2017 إذ قتلت أكثر من 170 مقاتل رمياً بالرصاص، أغلبهم كانوا من جيش النصر،  و أمثلة كثيرة وقعت على أرض الشمال السوري، فكثير من الشبان فقدوا حياتهم نتيجة لذلك النوع من الإيديولوجيات، جمال واحد منهم، انحدر  من ريف إدلب الجنوبي. من مواليد 1997، انتسب لداعش “تنظيم الدولة” في الرقة عند بلوغه 19 عاما، فأمضى وقتاً طويلاً يقتات ويلتحف على أفكارهم ومعتقداتهم. إلى أن قضى نحبه في أحد المعارك في 2015.

تتفق معظم الدراسات التي أجريت عن التنظيم إنه خليط مؤلف من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية كذلك، سواء من تونس وسوريا وغيرهم، كما أن أكثر الفئات العمرية المشاركة تتراوح ما بين الـ(  15 سنة إلى 30 سنة)، ويتضمن ذلك الخليط أيضا أناس من طبقات مثقفة و غنية ليس الأمر بالضرورة أن جميع المنتسبين إليه ينقصهم المال أو التعليم، وذلك ما يشير إلى مدى قوة قدرته على غسل عقول المنضمين إليه.

إلا أن ذلك لم يكن السبب الوحيد للإنضمام إلى داعش، فمنها ما يتعلق بالوضع الاقتصادي وقلة فرص العمل، كذلك الإقتناع بذلك التنظيم، والإيمان الكامل به، كذلك المغريات المادية من “غنائم وغيره، إذ شكل ذلك فرصة لبعض الشباب القاطنين في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وبالأخص لأولئك العاطلين عن العمل، كذلك الذين تركوا وظائفهم العسكرية عند النظام”المنشقين”.  كما أن التنظيمات والفصائل العسكرية فتحت باب لكسب العيش لهم.

لاشك أن الفقر سبب كبير في لجوء بعضهم لمثل تلك التنظيمات، بالأخص أن فرص العمل تنعدم أمام شاب مثل جمال لا يحمل خبرة أو شهادة جامعية، كما أنه لم يتعلم مصلحة سوى الزرع والحصاد وغيره، في حين أن المنطقة التي احتضنته بعد النزوح، لم توفر له ما يتناسب معه.

وذلك ما برهنه حوارنا مع أم جمال،التي قالت: “كانت عائلتنا المكونة من أب وأم و بنتين وصبيين، تعيش قبل النزوح حياة بسيطة، حيث  نعمل في الأرض بمختلف الأشكال الزراعية، كي نكسب قوتنا، إلى أن تصاعدت غارات الطيران على قريتنا، فأودت بحياة كثير من السكان ودمرت مساكنهم حارقة أرزاقهم، مما اضطرنا لهجرها حفاظاً على حياتنا”.

وأكملت:”فكان موطننا الجديد خيمة صغيرة، على أرض ترابية، لاتقي حر الصيف، ولا ترد برد الشتاء، جلس زوجي و ولداي بلا عمل، و ضاقت بنا الأحوال، لعدم إتاحة الفرصة للعمل بالأراضي كما في السابق، لم يحتمل ولدي الجلوس في الخيمة بدون عمل والصبر على قساوة الظروف، فصار يثور غضباً علينا، في حين قابلناه بالحلم احتراماً لوضعه”.

وأضافت “غاب فترة عن المنزل، دون أن نعرف عن مكان تواجده، مما أضرم نيران الخوف في قلبينا أنا وولداه، إلى أن جاءنا اتصال هاتفي منه يخبرنا أنه في رحاب الرقة بضيافة الدواعش، كادت الجلطة تصيب والده لكن ما الحيلة، وبالأخص أنه من كبار المعارضين لذبحهم وقتلهم، مجرد سماع اسمهم كان يشعل الخوف في النفوس، والكل يعرف أن أي شخص يمشي على طريقهم مصيره الموت، صمتنا راجين في قلوبنا أن يعود لنا بسلام”.

كيف عمل التنظيم على استقطاب الشبان؟

يتعرف أولئك الشباب على طريقة الانضمام لداعش إما عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو عن طريق الخلايا النائمة الموجودة في المناطق البعيدة عن سيطرتهم. وما إن يصلوا حتى يبدأون بتدريبهم على الآلات العسكرية والقتال بالإضافة للدورات الشرعية لزرع أفكارهم وتنميتها في نفوس المنضمين.

علاوة على ذلك تنص معتقداتهم على أن كل ما يتناقض مع أفكارهم هو على خطأ، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل يكفرونه ويتوجب محاربته على حد فكرهم، ويحل لهم ماله وعرضه كذلك قتله، يؤثرون بالشباب لدرجة أن الواحد منهم يرتدي حزاماً ناسفاً ويفجر نفسه، وهو على دراية كاملة بأنه سيموت.

“كأنه شخص آخر”

و سردت أم جمال :”مرت الأيام وبدأت نبرة جمال تتغير معنا تدريجياً،  حتى بدأ يتهمنا بالكفر والزندقة، وكأنه ليس نفسه ذلك الشخص الذي عاش بيننا وربيته سنينا، ثم صار يلح علينا بمغادرة مناطقنا، كوننا نعيش على أرض لا تتبع لحكم داعش، إلا أننا رفضنا، فقابلنا بعدم قبوله مساعداتنا ماليا، مع لأنه يعرف مدى سوء الوضع المادي الذي نحن فيه، وذات مرة قال لنا معي 500$ لكنني سأضعها في بيت مال المسلمين هو أحق منكم، لأنكم تعيشون على أرض الكفار”.

وأكملت :”طوال تلك الفترة كان زوجي على أعصابه، كنت أحاول مواساته، مع أني أنا الأخرى قلبي على نار، إلى أن أتانا ما كنا نخاف منه، مات جمال في أحمد المعارك لصالح التنظيم، انتشر الخبر بين أصدقائه بعد ذلك طرق بابنا، ليملأ الصراخ الممزوج بالدموع والندب المنزل، كسر لنا ظهورنا”.

“أحيانا لا أصدق أنه مات، لعدم رؤيتي جثته، إذ يرفض تنظيم الدولة تسليم جثث من يموتون في المعارك في صفوفهم، ويدفنونهم في الأراضي التي يسيطرون عليها،  ليتهم أرسلوها لنا، لأغسله وأدفنه، ثم أخبره أنني راضية عليه ومسامحة إياه، الله لا يسامحهم حرموني منه في حياته وفي مماته، واحسرتي عليك يا جمال”.

واختتمت أم جمال حديثها معنا ب”أنا فقدت ابني، لكني لا أزال خائفة على المتبقين، كلنا نعرف أن جهود الخلايا النائمة لداعش لا تزال تبذل في مناطقنا، وتشهد على ذلك  التفجيرات التي تتوالي ما بين الفينة والأخرى بالوقوع في المناطق المحررة”.

غاردينيا الاسماعيل