(عيني عينك) – استعرت النيران في مدفأة الحطب وبدأت النار تلتهم أكياس النايلون والأعواد الخشبية التي وضعها الحاج أبو مسعود بداخلها. ما إن أغلق باب المدفأة واطمأن أنها تعمل حتى اتكأ على اسفنجة بجانبها وتدثر بغطاء صوفي وقد ظهر عليه البرد فأخذ يخاطب من حوله: ” هاد برد المربعانية، وأهل أول كانوا يقولوا المربعانية لا غطاها بدفي ولا عشاها بكفي”.

لايزال الحاج أبو مسعود من أبناء الريف الدمشقي يحفظ عن أجداده  كيف قسموا فصل الشتاء الى أقسام ويروي لأبنائه وأحفاده تلك الأمثال الشعبية التي تقال في كل قسم منها فتصف أيامه أو مدته أو شدة برودته وكثيرا ما حفظ أيضا الحكاية التي تعد أصل كل مثلٍ، فرواها معه.

عرف سكان بلاد الشام بشكل عام أن فصل الشتاء ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما:

أولا: أربعينية الشتاء أو (المربعانية ) كما يسميها البعض وسميت كذلك لأنها عبارة عن أربعين يوما تبدأ من 21 كانون الأول حتى نهاية كانون الثاني. وبمجرد حلولها يكون فصل الشتاء قد دخل فعليا بعد أيام من المطر في فصل الخريف لذلك يهرع المزارعين الى تسوية أراضيهم وبذارها قبل حلول هذه الأيام لكي تروى بماء المطر. ويمر الطقس خلالها بكل تقلباته، فتنخفض فيها درجات الحرارة، وتصحب في بعض الأحيان بموجات الصقيع التي تكون قاسية جدًا على الفلاحين والأراضي الزراعية، ويعتقد أيضا أنها أكثر أيام الشتاء هطولا للأمطار الغزيرة والثلوج، ويشتد فيها البرد بشكل كبير فيقول الناس عن لسان المربعانية “إذا ما عجبكم حالي ببعتلكن خوالي ” وتقصد أيام السعود وهي الأيام التي تليها.

“هواء الخمسان يشق القمصان”

ثانيا خمسينية الشتاء: تلي فترة المربعانية وهي خمسين يوما أيضاً وتبدأ من مطلع شهر شباط لغاية اليوم الثاني والعشرين من شهر آذار ويكون الجو فيها بارداً أيضا  غير أنه أخف وطأة من برد الأربعينية تصاحبه  رياح قوية  فيقول الناس عنه “هواء الخمسان بشق القمصان “. وتقسم الخمسينية بدورها إلى أربعة أقسام وتسمى السعود، وهي على التوالي سعد ذبح سعد بلع سعد السعود وسعد الخبايا، مدة كل منهم اثنا عشر يوما ونصف، يختلف الطقس بين كل قسم منها، فهي تبدأ بالبرد القارس وتنتهي أيامها بجو لطيف مبشر بحلول الربيع. ويصف الناس بأمثالهم مناخ كل قسم من أقسام الخمسينية وتبدأ  مع سعد ذبح أو(ذابح): وهو أول أقسام الخمسينية  تهطل فيه الأمطار ويشتد فيه البرد كثيرا حتى يقول أهل الأمثال “سعد ذابح ما بخلي كلب نابح” لشدة برده.

أما سعد بلع ففيه بحسب الاعتقاد الشعبي تكثر الأمطار وترتوي الأرض وتبلع ماء المطر فيقولون عنه” في سعد بلع الدنيا بتشتي والأرض بتبلع”

وبعد اشتداد البرد وهطول الأمطار تأتي أيام سعد السعود تحمل معها بعض الدفء فيقول الناس ” بسعد السعود بتدب المي بالعود وبيدفى كل مبرود ” أي تخضر أغصان النباتات و الأشجار وكأنها عادت الى الحياة من جديد، وهو دلالة على انحسار البرد وعموم الدفء بين الناس.

ومع بدء أيام سعد الخبايا تنحسر الخمسينية مع ما حملته من برد وأمطار ممهدة  لفصل جديد من فصول السنة  فيقول الناس “بسعد الخبايا بتطلع الخبايا وبتتفتل الصبايا ” أي تخرج الحيوانات من سباتها الشتوي كالأفاعي والزواحف وتطيب الرحلات والنزهات فيخرج الناس بعد فترة شتاء طويلة قضوها محتمين من البرد في منازلهم.

ومع نهاية الخمسينية تنتهي رحلة الشتاء، وبذلك يكون مجموع المربعانية والخمسينية 90 يومًا (فصل الشتاء).

تصدق في بعض الأحيان تلك التوقعات الشعبية  للطقس خلال الأربعينية والخمسينية، فيما يخالف الطقس ما توقعه الناس أحيانا أخرى. ويبقى السوريون يعتبرونها جزء من تراثهم لأنها نابعة من حكمة الأجداد والآباء  فقد جاءت نتيجة المراقبة والمتابعة لسنين طويلة ومازال كبار السن يحفظونها ويحدثون بها  في السهرات الشتوية كحكايات محببة للجميع.