مقالات (عيني عينك) – يصحو الشمال السوري المحرر على نبأ أم تتجرع في يوم عيد الأم حسرة عائلتها كاملة  وإصابتها بجروح خطيرة إثر قصفٍ من  طائرات الضامن الروسي على  منطقة الفقيع  بريف إدلب هدية قدمها النظام  وروسيا للامهات السوريات في يوم عيدهن في 21/3/2019   الموافق للذكرى الثامنة  على الأمهات السوريات  منذ اندلاع الثورة  في عام 2011  الذكرى التي  تحمل بين حناياها هذا العام مزيدا من الأسى والألم للأمهات الثكالى اللواتي جرعتهن سنوات الحرب حسرة أولادهن ولم يتبق لكثير منهن أمل حتى بزيارة قبورهم
:”لم يبق لي من ذكراه إلا هذا المنديل المعطر برائحة دمه الذي سكب في آذار من عام 2018 في مدينة معرة النعمان”.

بهذه الكلمات تبدا أم عدنان  حديثها الذي لا يخلو من القوة مع الألم وتتابع وقد امتلأت عيناها بالدموع :” لقد أصبحت ذكرى عيد الأم هي ذكر استشهاد ولدي”.

تضيف وقد فتحت جوالها على صورة له عند وداعه وهو مبتسم:” كان  حنوناً، وعطوفا على أخواته محباً للناس،  وكان كثير الرأفة بوالديه كانت آخر كلماته لي أمي ادعيلي وارضي علي”.
أما أم سليم والتي فقدت ثلاثة من أولادها فتروي كيف كان عيدها مع ابنائها:” كانوا دائما يزوروني في عيد الأم  والآن أنا من  ازورهم وأشم رائحة ترابهم “
لكنها تستطرد قائلة :”لقد زاروني في المنام… كانوا في بستان كبير  فرحين و تعلو ضحكاتهم وبين أيديهم الكثير من الفواكه التي لم أر مثلها من قبل واستيقظت مبتهجة لما رأيت”.
في حين تمسك أم أسامة  بدلة ابنها الشهيد “أسامة’ الذي استشهد في مدينة دوما الغوطة الشرقية لمدينة دمشق و تقول:” هذا ما بقي لي من ذكراه  لم نستطع أن نحضر جثمانه لشدة القصف يومها و دفنه رفاقه دون أن أراه”
وتتابع حديثها وهي تمسح عيونها بمنديلها، لقد أهداني في آخر عيد لي معه زجاجة عطر، أحتفظ بها بين أشيائي الثمينة، فهي أثمن شي لدي”.

وترفع يداها بالدعاء له بالرحمة و بالرضى عنه وعن إخوته الذين  تفرقوا  في دول اللجوء  الذين  اكتفوا مضطرين بمعايدتها هاتفيا
أما ‘أم  بسام’  التي فقدت ولدها البكر برصاص قناص  الجيش السوري في  غوطة دمشق فتشير لثلاثة أطفال في حجرها وتقول :”هؤلاء عيدي بعد فقد أبيهم”. وتكمل حديثها  وهي تحضن أصغرهم و وتقبله من جبينه: “لقد ترك لي أجمل هدية قبل أن يرحل. لا أتخيل الابتعاد عنهم أبداً”.
وتتابع حديثها بشيء من القوة والجلد “هو لم يمت بل هو في جنات النعيم”

لكن ما يحزن أم سليم المهجرة من مدينة ‘داريا’ انها حرمت زيارة قبور أبنائها الثلاثة، بعد التهجير القسري من المدينة في عام 2016  وتقول:” أتمنى ان أعود لبلدي كي أزورهم وأمسح بكفي على قبورهم  وأسقي النرجسيات التي زرعتها على قبورهم فلعلها تزهر من جديد”.
لكن جميع الأمهات  الثكالى كانت أمنيتهن المشتركة أن تنتهي  الحرب على الشعب السوري، وتنعم الأمهات بقرب ابنائهن منهن وبذلك  تنهي أم عدنان حديثها :”أتمنى ان لا تفجع أم بولدها وألا تذوق مرارة الفقد”.

قرابة 700 ألف معتقل… مر العيد على أمهاتهن كغصّة

بحسب أرقام الشبكة السورية، فإن “قرابة 82 ألف و652 مواطناً سورياً مختفون قسرياً لدى النظام السوري  منذ آذار 2011 حتى حزيران 2018″ ومازال النظام يعتقل المزيد في مناطق سيطرته كل يوم  ولكل معتقل أم تبكيه. تقول أم زاهر وهي أم لمعتقل منذ عام 2011  :” كيف لي أن أسعد وولدي بين أيدي الجلادين وأتخيله جائعاً ومريضاً  وأسمع صوت صراخه ألماً في نفسي وتسأل باستغراب :”فهل من عيد لي؟!!!”

أما  ‘أم عبد الله ‘ وهي مهجرة من  مدينة الزبداني ريف دمشق تعيش على أمل الإفراج عن ابنها الذي يقبع منذ 4 سنوات في سجن عدرا  وتكتب منشوراً على حسابها في موقع فيسبوك في ذكرى عيد الأم: “أريد الدعاء لولدي أن يفرج عنه، لتجد الكثير من التعليقات التي تدعوها هي أيضا للدعاء لأبنائهم المعتقلين، وتقول :””من يرى مصاب غيره تهون عليه مصيبته ” وهمت  بإزالة المنشور خجلاً من  تعليق لسيدة سورية أولادها الخمسة في معتقلات النظام، ولا تعلم عنهم أي خبر تتوسل أن يتم الدعاء لهم من كل أم تفرح اليوم مع أولادها بعيد الأم.

مرارة هذا اليوم من نصيب الأيتام أيضاً

‘أحمد’ البالغ من العمر ثماني سنين، والذي حرمه النظام حنان أمه قبل ان يبلغ الثالثة من عمره بقذيفة أصابت المنزل يقول  وهو يحاول السيطرة على دموعه “أمي الآن في الجنة، وأعلم أنها تسر عندما أتفوق في دراستي، لكنني اليوم كرهت المدرسة لأن أصدقائي كانوا يعدون الهدايا لأمهاتهم ويكتبون لهم  بطاقات التهنئة “يمسك دموعه وتختنق الكلمات في صدره :” وانا ما بقدر إلا ادعيلها  الله يرحمها”

وهنا ترى أم سليم  أن “لا عيد للأمهات حتى تتحرر  سوريا من نظام الأسد  لأنه وفي كل يوم تزداد أعداد الثكالى في سوريا”  نتيجة القصف الهمجي على الشمال المحرر رغم  اتفاقيات خفض التصعيد، تجلس ‘أم بسام’ على صفة الدار، وتحكي لحفيدها الأكبر بطولات أبيه بفخر واعتزاز، وتحثه على متابعة خطى أبيه، بينما يتشاجر الآخران على الجلوس في حجرها، ومن بعيد تقترب من أم بسام ابنتها “ريما’ الشابة  التي تستعد بشوق ولهفة لولادة مولودها الأول كي تصبح أما  وهي تحمل بين يديها هدية لوالدتها في تأكيد ورسالة واضحة لأمها ولجميع الأمهات الثكالى على أن الحياة مستمرة، وأنه  ثمة من  يستحق الحب والتضحية والحياة.

إيمان ديراني