حلمت سارة بيوم سفرها إلى عريسها، فقد خطبت لقريبها الذي يعيش بعد تهجيره في الشمال السوري منذ أكثر من سنة، لم تستطع أمها تركها تسافر من دمشق إلى خطيبها وحدها، ظانة أنها ستساهم في التخفيف من أعباء السفر على ابنتها إن سافرتا سوياً. فانطلقتا قبيل الفجر بساعة في حافلة ضمت أربعين امرأة  لنفس الوجهة، وبعد أن قطعتا ثلثي المسافة بين دمشق وإدلب، وعند حاجز القطيفة تغيرت وجهتهما على نحوٍ لم تكونا لتتصورانه.

قبل أكثر من سبعين عام وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، كتبت «رينيه مارغريت كريمر» (Renee-Marguerie-Cramer) تصف أزمة اللاجئين المرعبة في القارة الأوروبية بفعل الحرب  :”يتفرق الآباء والأطفال والأزواج والزوجات والأشقاء والشقيقات عن بعضهم البعض، شأنهم شأن أوراق الأشجار قبل أن تعصف بها الرياح في فصل الخريف، وتسوقهم الأقدار إلى مشارق الأرض ومغاربها دون أن يحدوهم أدنى أمل في أن يجمعهم لقاءٌ “.
ينطبق اليوم نفس الوصف على السوري بعد ثماني سنوات من الحرب.
13 مليون سوري ما بين مشرد أو مكرهٍ على الفرار أو مدفوعٍ بالذعر أو  مهجّر قسراً منذ اشتعال الصراع، وهو ما يمثل حوالي 60 في المئة من عدد السكان قبل الحرب، وهي نسبة نزوح لم تشهدها دولة من قبل خلال العقود الأخيرة، بحسب مركز بيو للأبحاث.
معظم المهجرين  كانوا من فئة الشباب هروباً من الخدمة الإلزامية او الاعتقال التعسفي أو بسبب  خوف الأهل عليهم من الانضمام لفصائل المعارضة أو بسبب عمليات التهجير التي قام بها النظام السوري منذ عام 2018.

وبتزايد أعداد الشباب المهجرة إلى الشمال، تزداد أزمة الزواج بالنسبة لهم تعقيداً، حيث يرفض الكثير منهم الزواج من مناطق الشمال متحججين بأسباب عدة  كما يقول الشاب  “محمد’  المهجّر من مدينة داريا في الشمال السوري :”يلي ما بياخد من ملتو بموت بعلتو،  اظن اني إن تزوجت من مدينتي سيكون التفاهم فيما بيننا أفضل “

ومع أمل العودة إلى مدنهم يحاول أهل المدينة الواحدة  زيادة الترابط بين ابنائها من خلال الزواج  يقول الشاب أنس من مهجري الغوطة  :” لا يمكنني معرفة العائلات هنا في الشمال كما معرفتي بعائلات بلدي  وأتأمل استقرار لحياتي أكثر إذا كانت زوجتي من مدينتي فلن  تكون عائلتي يوما من الأيام مشتتة بين مدينتي ومدينة زوجتي”
أما تردي الحالة المادية لغالب الشباب المهجّر  فهي عامل آخر قد لا يكون  له التأثير الأكبر،  السيدة أم انس من المهجرات في الشمال تقول :” طلب منا أهل الفتاة  التي تقدمنا لخطبتها من مدينة إدلب مهراً كبيراً بالإضافة لذهب  وملابس وأثاث لتجهيز البيت وهذه الطلبات لا يطلبها أهل الفتيات من مناطقنا والذين يسكنون في مناطق سيطرة النظام عادةً”.
ومع قلة وجود فتيات في سن الزواج  في العوائل المهجّرة يضطر الواحد منهم أن يتحدى الحواجز والصعاب ليصل لفتاته، وعلى الفتاة التي قبلت بزواجها من مهجّر أن تستعد لاستقبال الصعاب بدءاً من  تثبيت عقد الزواج  إلى معاناة الطريق، ثم لتحط الرحال بين أحضان الغربة، فتثبيت العقد يحتاج لنفقات محامي ولتقرير طبي كاذب بأن الفتاة حامل ليستطيع المحامي تثبيت العقد.

مفاجآت غير سارة على الطريق

أما  الطريق فيخبئ لهن الكثير من المفاجآت، فبينما تصل بعضهن إلى الشمال بيسر ودون متاعب نجد أخريات يتجرعن ألوان العذاب ومنهن لم يكتب لهن الوصول وتغيرت وجهتهن الى أفرع الأمن وزنزانات الاعتقال أو ابتزاز عصابات باتت تسيطر على الطريق تحسب على كلا الطرفين مع ان اتفاقيات جنيف وبرتوكولاتها الإضافية تنص على قواعد يجب ان تحترمها جميع الأطراف خلال الحروب  في التعامل الإنساني للمدنيين والسكان.


يقول السيد غراندي ‘المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين:” أنه خلال الحروب، هناك قواعد يجب أن تحترمها جميع الأطراف. أما في سوريا، فحتى خيار الفرار من مناطق الصراع للوصول إلى بر الأمان في أجزاء أخرى من البلاد يتضاءل” كما اوردت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
سارة وأمها اعتقلتا  عند حاجز القطيفة دون أي تهمة لهن وأخفيتا في زنزانات  النظام تسعة أشهر وأخذت أغراضهن  وما معهن من مال وذهب  ليتم مبادلتهن  في اتفاقية كفريا والفوعة و تم  منعنهن من العودة إلى دمشق
أما مها ( فتاة من دمشق تبلغ 25 من العمر) والتي قتل زوجها منذ سنتين  وترك لها طفلين صغيرين، و كما جرت عادة أهل الزوج أن تخطب بهذه الحالة لشقيق زوجها من أجل أن يضمنوا بقاء الأطفال في حضن العائلة كان الحال مع مها وقد وافقت  ولكن العريس في الشمال وعليها المغامرة مع طفليها،  فقررت السفر برفقة “أم أحمد” سمسارة الطريق وهي امرأة من ادلب تبلغ الخمسين من عمرها.

أوهمتها أنها ستساعدها في الوصول بأمان فلا تستوقفها الحواجز  لأنها كما ادعت :”مزبطة الحواجز “لكنها وفي الطريق ابتزتها وأخذت كل ما معها من المال، ثم طلبت قطعة الذهب الوحيدة التي  تملكهما و بعد تهديدها  بتسليمها للنظام اضطرت مها لدفعها.
 تقول :”لم تكتفي بما أخذته مني بل اتصلت بزوجي وابتزته وكأني وأطفالي مختطفين، ولم تكن أم محمد وحدها بل كانت تابعة لعصابة محترفة”.
لكن هل تنتهي معاناة من كتب لها الوصول إلى بر الأمان  عندما وطئت أقدامها أرض المحرر؟
من خلال مقبلاتنا لعدد منهن وجدنا  أن معاناة الطريق هي أول منازل العذاب  والغربة والبعد عن الأهل  سيلازمهن ما بقين في الشمال والخوف الشديد من مستقبل (مغشى عليه بغشاوة سوداء ) يرخي بهواجسه عليهن 
 تخبرنا ‘كنانة ‘إحدى هؤلاء الفتيات والتي تزوجت منذ سنة :”لقد فتنت بأحلام وردية كما كل المخطوبات وحبي لخطيبي جعلني أفكر بعاطفتي لا بعقلي، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لما حملت نفسي عناء هذه الرحلة  لأنه لا أمل لي بلقاء أمي وأبي وإخوتي بعد الآن”

‘محمد’ شاب مهجر من غوطة دمشق تزوج منذ أشهر يتحدث عن ما تمر به زوجته من متاعب نفسية منذ وصولها إلى الشمال  من دمشق:”أعلم أني سأتحمل الكثير من النفقات لاختياري  لكن الأمر تعدى النفقات فالحالة النفسية التي رافقت زوجتي بسبب بعدها عن أهلها تحولت لمرض عضوي ولا يخفى على أحد ما علي تحمله في ظل عدم وجود أهل زوجتي بجانبها”
 لكن هل من أمل للمهجرين يلمح في أفق المتفاوضات السياسية الدائرة  من أجل حل سياسي للأزمة السورية؟
نلاحظ أن مؤتمرات جنيف لم  تحمل في سلالها قضية المهجّرين واللاجئين أما مباحثات أستانا فقد تعرضت لمسالة اللاجئين وعودتهم و لمنطقة آمنة في سوريا دون اي إجراءات على الأرض  اما مسالة المهجّرين قسريا فلم تتعرض المباحثات لها 
ومع غياب الحل السياسي والتصعيد العسكري للنظام على المناطق المذكورة في اتفاقية خفض التصعيد  ومحاولته السيطرة على المحرر يضعف امل المهجرون قسراً في عودة آمنة لمدنهم و تستمر معاناتهم.