سيرين المصطفى (عيني عينك) – كانت فرح تستذكر دائماً القصة المؤلمة لزواج عمتها (فطمة)، كانت ذات جمال فريد يطمح كل من يراه بالوصول إليه، وكان أول الخاطبين ابن عمها(عادل)، فرفضته، ليغضب منها متوعداً بمنع أي شاب من التقدم لها، وإذا ما خطبها أحدهم، كان عادل يحاول منعه بشتى الطرق التي تصل حد التعدي عليه بالضرب. واستمرت هذه الحال لمدة ثلاثة أعوام، حتى قام أهلها بتسفيرها لمدينة بعيدة ليزفوها منها كعروس لشخص غريب من قرية أخرى. لم تتخيل فرح ذات العشرين عام، أن السيناريو سيتكرر معها، بوقوف ابن عمها جابر في طريق نصيبها، مانعا إياها من الزواج بالشاب الذي تحب.

لاتزال العادات والتقاليد البالية القديمة طاغية في الكثير من المناطق السورية، والإناث فقط هم من يدفع ضريبتها، ومن تلك العادات تزويج الفتاة من قريبها رغماً عنها، ويكفي أن ترطبها به صلة قرابة من طرف الأب حتى يصبح هذا الزواج واجباً عليها. ويسمى ذلك باللهجة المحلية:”قرايبها واقف بدربها”، أو “حيرجلها بالطريق” أي لن تتزوج غير ابن عمها، إلا في حال تكرم عليها وسمح لها بالارتباط بغيره. وكذلك ربما تجبر على شخص ’خر لمجرد أهلها وجدوا فيه الصفات التي يعتبرونها مناسبة، حت وإن اعترضت الابنة وعبرت عن اعتراضها بشتى السبل بوسائل متعددة تبدأ بالبكاء والامتناع عن الطعام وتنتهي بالاستعانة بأحد الأقارب.

تقول فرح:”أنا خلقت في هذه الدنيا، وابن عمي “بوجهي”. لم تتخطى مشاعري نحوه حدود الأخوة، لكن ما إن كبرنا، واصبحت في سن الخطوبة، صعقت بتقدمه لي، بل وهددني بإيذاء الشاب الذي أحبه إذ واقفت على الزواج منه”.

القياض… عادة أخرى تدفع النساء ثمنها

من العادات الأخرى التي تكره الفتاة على الزواج بمن لا ترغب بهم عادة “القياض” أي تتفق عائلة على أن تزوج ابنتها من شاب، مقابل أن تتزوج أخت ذلك الشاب من ابنهم، وأحيانا تتم العملية بدون دفع مهور، وبإجبار واحدة من الفتاتين أو كلاهما، وفي بعض الحالات بتراضي الطرفين.

تقول داليا: “كنت مخطوبة لابن عمي، وكنا على وفاق، حتى طلب عمي أن يزوج ابنته لأخي، فلم يقبل ذلك خوفاً من المشاكل التي قد تنجم، ولأنه يعتبر بنات عمي كأخواته، فثار عمي غضبا وألح عليه، فما إن اختتم إلحاحه بالرفض، أجبر خطيبي على فسخ خطوبته مني، وخلال أسبوع زوجه من صبية أخرى، كسر قلبينا معا، لنكون ضحية لتقليد أكل الدهر عليه وشرب”.

رغم الوعي الذي كان كفيلاً بطرق أبواب معظم الناس في مناطق ريف إدلب، وكذلك التطور بما يشمل البحوث طبية والاستشارات النفسية، إلا أن تلك العادات لا زالت خالدة بينا، ويحتل الجهل المرتبة الأولى بين أسباب ذلك الخلود. كذلك تمسك ببعض المبادئ العائلية التي تقتضي بعدم السماح للفتاة بالخروج عن طائفتها، وذلك إما خوفا على حياتها المستقبلية مع الشريك، فيرون القريب أفضل لها، وكذلك خوفاً من كلام الناس بحق ابنتهم، ممن قد يظنون أنها لو لم تكن “معيوبة”، لما كانت تزوجت “غربتلي”. وكذلك سعياً للحفاظ على الميراث ضمن العائلة ذاتها.

“لو في منو خير ما رماه الطير”هذا المثل الذي كلما تشاجرت أنا وزوجي، أسمعني إياه، من أجل أن ينقص قدري وقيمتي، وليس هو فقط، بل وعائلته أيضاً “تعيرني” بذلك كلما نشبت خلافات بيننا” كما ذكرت لنا مروة خلال لقائنا معها.

لفداء قصة مختلفة :”أردت الزواج من شاب من خارج القرية، وخطبني ثلاث مرات، وفي كل مرة كان والدي يرفض، صبرت على تلك الحال، وأصررت على رفض الخاطبين، حتى تقدم للمرة الأخيرة، فاشترطت عائلتي علي التنازل عن حقي في الميراث بالأرض، فتنازلت، ثم تزوجت من أحب”.

و أحيانا يولد ذلك النوع من الزواج عقبات تعرقل الأنثى في حياتها الزوجية، مثل عدم تقبل الطرف الآخر، سواء في العلاقة الجسدية أو المعنوية من تفاهم وتواصل وتعاون مشترك لتأسيس عائلة، وذلك ما عكسه حوار لينا الأحمد معنا:” النتائج  تكون بحسب الفتاة والشاب الذي تزوجها، فربما تكون ذات شخصية مرنة أو خاضعة تتقبل الأمر الواقع، أو رافضة وتلك الأخرى هي التي تعاني من السلبيات، من مشاعر الشعور بالظلم وغير، مما يؤدي لكره الأهل، وأحيانا أطفالها، وتتحول تلك المشاعر السلبية إلى سلوك ومنه إلى عادة التي تغدو طبعاً، مما يعكر أدائها لواجباتها كزوجة وكأم، وكبنت في حياتها، وإذا كان زوجها ذا أسلوب صبور في التعامل فذلك يحسن العلاقة بينهما، أما إذا كان عكس ذلك فستتحول حياتهما لحلبة من الصراعات”.

زواج الأقارب… مخاطر طبية متعددة

تحذر الكثير من الدراسات الطبية من زواج الأقارب، لما يكن أن يتسبب به من نقل الإصابة بالأمراض الوراثية إلى الأطفال، وإصابتهم بأمراض نفسية عقلية، كما يزيد احتمال الوفيات بين الأطفال، بالإضافة لتعزيزه فرص الإصابة ببعض الأمراض مثل فقر الدم المنجلي المسبب للسكتة الدماغية، و أنيميا البحر الأبيض المتوسط ناهيك عن التنكس الكبدي وذلك ما أشارت إليه الممرضة سناء الأحمد خلال لقائنا معها.

كما قامت جامعة عين شمس عام 2013 بإجراءِ دراسة، قارن فيها الباحثون نسبة وقوع الأمراضِ الوراثية والإجهاضاتِ المتكررة والولادات لأجنة ميتة في حال زواج الأقارب بمقابل غير الأقارب، و ذلك بمقارنةِ 8109 حالات مرضية لأطفال أو بالغين يعانون من الحالاتِ السابقة مع نسل 10 آلاف زوج من الأزواج الأصحاء. فكانت النتائج أن نسبة وقوع المخاطر المذكورة على  المجموعة الأولى بقدر (54.4%) بينما الأخرى (35.3%).

تقول أم علاء:”أنا على صلة قرابة شديدة بزوجي، وذلك أثر على الأجنة التي أحمل بها، الذكور ألدها وتعيش بشكل طبيعي، لكن الإناث لا تكمل  العامين ما إن تقطع السنة تموت، ماتت لي ابنتان خلال فترة زواجي، منذ 20 سنة”.

وتقول لجين:”يوجد طائفة في قريتي حريصة على التمسك بزيجة الأقارب، لدرجة أنك نادراً ما تجد شاباً أو فتاة مرتبطين بغير الأقارب، وكثيرا ما تجد الأمراض منتشرة بينهم، ناهيك عن حالات التشوه الخلقي، وأمراض السكر والقلب”.

أما من وجهة نظر دينية، ففي المسيحية  الزواج من الأنظمة المقدسة الإلهية، التي تدعو لجمع شخصين متكافئين برباط طاهر في شتى الظروف منها السراء والضراء، ولا يجوز للأهل إجبار أولادهم على الزواج، كما في  دين الإسلام أيضا في حديث ورد عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:”لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا تنكح الثيب حتى تستأمر، قالوا: يا رسول الله! إن البكر تستحي فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت”.

وتمر الأيام من عمر فرح دون أن تعطيها حلاً يخلصها من مشكلتها المعقدة مع ابن عمها، وتدعو  في كل ليلة والدمع يملاً عيونها أن يرق قلب عادل عليها، فيسمح لها بالزواج من الشاب الذي تحبه، والذي يواسيها برسائله ومكالماته المفعمة بالأمل و بوعده لها بالانتظار ريثما يأتي ذلك الحل مهما طال انتظاره.