ريتا خليل (عيني عينك) – الصرافة اسم غاب عن كثيرين اليوم، يجهل معظمنا ماهيته ولم كان يستخدم.

الصرافة صندوق يصنع من الخشب، يمتاز بغطاء يفتح من الأعلى، في فترة من الفترات لم يكن بيت ليخلو منها، حيث تضع فيها ربة المنزل أغراضها الخاصة، من ملابس وغيرها من أمورها الخاصة‘ لتبقيها بعيدة عن متناول الأطفال العابثين، وبعيدا عن التلف بفعل العوامل الجوية وغيرها.

الحاج خالد العوض (٥٢) عاماً، يستذكر صرافة والدته أم خالد، فيقول: “كان لوالدتي صرافة بيضاء اللون لا زلت أحتفظ بها، وكلما اقتربت لتفتحها والدتي حينها، يدفعني فضولي للنظر بداخلها فتنهرني الوالدة، فتزداد رغبتي لاستطلاع ما تحتويه”.

يتابع الحاج خالد بقوله: “بعد انتهاء أيام العزاء بوالدتي، قمت وإخوتي بجمع أغراض امي، وكم كانت دهشتنا كبيرة وقتها، فكل ما رأيناه داخلها لم يعدو كونه قطع قماشية خيط بعضها والبعض مازال ينتظر دوره، وإبر أغلبها صدأ أو تكسر، ولمبة كاز قديمة من تراث تلك الأيام وغيرها من الأشياء التي كانت لها معزة لدى المرحومة”.

يضيف الحاج بالقول: “قد لا نرى قيمة لما حوته صرافة أمي، الا أنها كانت أغلى ما تملك”.

الحاجة خدوج العمر بدورها تتذكر صرافتها الأولى ولونها الأحمر ذي الخطوط الخضراء والصفراء، وتحن لتلك الأيام فتقول: ” عندما جلب أبو عمر زوجي المرحوم، الصرافة من المعرة، كان يوما بمثابة عرس جديد لي، فالمرأة كانت تعتز بوجود صرافة في بيتها في تلك الأيام”.

أم صالح تعود بذاكرتها الى أيام الطفولة، والى صرافة الوالدة الخشبية، وتقول: “أمي كانت تهتم بصرافتها فتخبئ المفتاح الخاص بها بعيدا عن متناول الجميع، بما فيهم والدي”.

تتابع أم صالح لتقول: “الصرافة تهالكت وتكسرت بفعل العوامل الجوية، وعدم الاهتمام بها من قبل زوجة أخي وعدم حاجة الناس لها في هذه الأيام”.

الحاجة خدوج تذكر أنها كانت تملك صندوقاً أصغر من الصرافة يسمى بالسبت وهو يشبه الصرافة من حيث الاستخدام، لكنه أصغر حجماً، ويغطى غالبا بطبقة من المعدن كالتوتياء، عبرت عن ذلك بقولها: ” كان لدي صندوق اصغر اسمه سبت، أضع فيه كل ما هو ضروري، كالأوراق الهامة والقطع الذهبية والنقود حتى، فهو يشبه الكاظة (الخزنة الحديدية) اليوم”.

عبد الكريم المحمد (47) عاماً، وهو نجار موبيليا، يروي تفاصيل عن الأيام التي كان يقضيها في ورشة والده وجده، عندما كان لايزال طفلاً صغيراً، وكان يشاهدهم منهمكين في تفصيل وتصنيع صناديق متنوعة الأحجام، وعنما سألهم عن ماهيتها كانوا يجيبه والده: “إنها الصرافة يا بني وغداً عندما تكبر ستصنع أنت مثلها للناس”.

يضيف عبد الكريم:  “ورثت الحرفة عن والدي بطبيعة الحال، وفي بدايات عملي كنت أصنع الصرافات، لكن بعد فترة خف الطلب عليها، الى أن تلاشى بالكامل، وتحولت صناعتنا الى محامل الفرش ذات الأبواب والدروج، بالإضافة للخزائن”.

شهدت الصرافات أيام عز باعتبارها قطعة من أثاث المنزل الأكثر حميمية لدى ربات المنازل قديماً، واليوم طال الخراب معظمها، واندثر الكثير منها، فما عادت تشاهد ضمن البيوت كما كانت سابقاً، فحتى من يحافظ عليها بحكم كونها من رائحة الأهل، وتحمل ذكريات طفولية، لا يستخدمها غالباً إلا لوضع بعض متاع المنزل اليوم عليها كالفرش أو الأكياس التي لا يرغب بوصول الرطوبة والمياه إليها.

لكن هذا لم يفقد الصرافة أهميتها لما تحمله من ذكريات مازالت تداعب بصورها العابرة مخيلة عجوز تسعينية كالحاجة خدوج، فتعيدها لأيام صباها وتذكرها كم كانت سعيدة وقتها، فترسم على وجهها ابتسامة رضا.