ريتا خليل (عيني عينك) – طفلة صغيرة لم تتجاوز الثامنة من العمر، تفتّش حاويات القمامة ومكباتها، بحثاً عما تجده من بقايا بلاستيكية او معدنية، لتقوم ببيعها.

تزوج والدها امرأة أخرى ليترك منى واخوتها مع والدتهم. تقول منى: “الماما هي بتصرف على البيت ولازم نساعدها”.

جمع مخلّفات القمامة الصالحة لإعادة التدوير، كالبلاستيك والعلب المعدنية وغيرها، ومن ثم بيعها، مهنة باتت اليوم ظاهرة منتشرة في المناطق المحررة في سورية، وأضحت مورد رزق للكثيرين من ذوي الدخل المحدود، أو منعدمي الدخل.

ليس الأطفال وحدهم من امتهنوا هذه المهنة، وائل الحسين (19 عاماً)، لجأ أيضاً للعمل في تجميع مخلّفات من القمامة، بعد أن انعدمت فرص العمل الأخرى، يقول وائل: “تركت المدرسة بسن مبكر بسبب ظروف الحرب، ولا أملك أي شهادة، فلم استطع إيجاد عمل دائم او وظيفة أتعيش منها أنا وأسرتي، فلجأت لجمع النفايات”.

ويضيف وائل “عملت لفترات متقطّعة كعامل بناء، لكن فرص العمل اليوم قليلة جداً، فأغلب الناس متخوّفون من الأوضاع والركود طال كل الأعمال”.

حتى أن هذه المهنة لم تعد كما السابق وسط منافسة الكثيرين ولجؤهم الى هذه الطريقة، لتأمين قوت يومهم بحسب رأي الحسين حيث يقول: “سابقاً كان البحث في القمامة يدرّ علينا دخلاً أفضل مما يدرّه علينا اليوم، فاليوم يعمل في هذه المهنة كثيرون، حتى إنني أُضطر للاستيقاظ في ساعات الصباح الباكر لأسبق غيري، ومهما بكّرت في الذهاب أجد هناك آخرين قد سبقوني”.

وأردف الحسن قائلاً: “هل تظنين أني سعيد بوجودي بين أكوام القمامة يومياً؟ لكن ما باليد حيلة، وعدد أفراد عائلتي كبير”.

من جهة أخرى يرى محمد الأقرع (2٧عاماً)، الذي يعمل في بيع مخلفات الحاويات كذلك، أن سبب التراجع في المداخيل يرجع الى إدراك الناس لأهمية النفايات التي يمكن بيعها، فيقومون ببيعها للباعة الجوالين الذين يجوبون الحواري، ويمتنعون عن رميها في القمامة. وعبّر عن ذلك بقوله: “أصبحت لحظة إيجاد عبوة بلاستيكية في حاوية مصدر سعادة لنا، لأنها أصبحت نادرة”.

فاطمة الزيدان (25 عاماً)، ناشطة إعلامية، ترى فيمن يمتهنون هذه المهنة أناساً بسطاء وشرفاء، فضّلوا العمل في مجال قد ينظر إليه الكثيرين بدونية، على أن يلجؤوا إلى أعمال غير شريفة كالسرقة وغيرها. وتعزو الزيدان انتشار هذه الظاهرة لأسباب عدة إذ تقول: “برأيي هم أفضل من كثير من المسؤولين الذين سرقوا من هذا الشعب، ودافعهم لهذا العمل هو ندرة فرص العمل، وازدياد عدد المهجّرين، وأيضاً غياب المعيل في الأسرة، لموتٍ أو اعتقال”.

في حين أبدت نزهة الدرويش، دهشتها لوجود هذه المهنة التي لم تلاحظ وجودها سابقاً، تقول الدرويش: “أحمِّل المسؤولية للمنظمات الإغاثية تحديداً، فلو أنها لحظت أمثال هؤلاء لما اضطروا للبحث بين أكوام القمامة ليعتاشوا”.

ووفقاً لأبو ظافر الخليل وهو صاحب متجر: “لست أدري ما ظروفهم المادية، لكنّي أحمّل كلّ المسؤولية للجهات المعنية المقصّرة في إيجاد فرص عمل تليق بهؤلاء”.

يضاف إلى كم الصعوبات التي يعانيها من يعملون في هذه المهنة المخاطر الصحية، التي يتعرضون لها، وقد لا تظهر آثارها عليهم اليوم، لكنهم رغم ذلك يعرّضون أنفسهم وصحّتهم لمخاطر كبيرة.

الدكتور أحمد البيوش (مختص داخلية) يقول: “يتعرّض الشخص العامل في مجال النفايات أو أولئك الذين يقطنون بالقرب من أماكن تجمّع النفايات، لمخاطر عدة على الصحة، تبدأ من الإصابات الجلدية نتيجة ملامستهم للقمامة، وذلك لجهل معظمهم بأساليب الوقاية”.

ويضيف د. البيوش قائلاً: “لا يقتصر الضرر على الجلد فقط، بل يتعدّاه إلى جهاز التنفس، إذ تنطلق من القمامة أبخرة وغازات سامة تؤثر في صحة الفرد، كغاز الميثان مثلاً، وقد تتسبب بالتهابات صدرية حادّة، بخاصة عند الأشخاص ضعيفي المناعة والذين يملكون قصصاً مرضية سابقة”.

وختم د. البيوش حديثه بالقول: “هذه نبذة صغيرة عن مخاطر هذا العمل، يضاف إليها الجروح التي يتعرض لها العامل في هذا المجال، والناجمة عن الزجاج المكسّر وقطع الحديد الصدئ”.

يذكر أن المنظمات العاملة في الشمال السوري اعتمدت بغالبها مبدأ المشاريع الإغاثية، وهذا جعل من المجتمع مجتمعاً مستهلكاً، بدل أن يتم التركيز على مشاريع تنموية تؤمن فرص عمل دائم لأبناء المنطقة، التي تعطل نشاطها الاقتصادي بفعل ظروف الحرب.

يضاف إلى ذلك توقف الدعم الخارجي لمناطق الشمال الغربي والذي ألقى بظلاله على نشاط الكثير من المشاريع، وأدى لتوقف البعض منها لتتفاقم أزمة العطالة.