أربعة أعوام ونيف، مضت على نزوح نزار أبو حمزة برفقة عائلته من ريف حماة، ليستقر به المقام بريف إدلب الجنوبي، سنوات يصفها أبو حمزة( 29) عاما بالقول: “كانت أصعب سنوات حياتي، أذكر مرة مضى فيها علينا يومان ونصف، علينا لم نذق وأولادي طعم الزاد فيها، وبعد أن استقر وضع عملي، أتت الفصائل التي تسيطر على المنطقة، لتطالبني بإخلاء مكان سكني المجاني، ولا أعلم ماذا أفعل”.

تعد مشكلة تأمين السكن من أبرز الصعوبات التي تواجه الأسر الوافدة إلى مناطق الشمال السوري المحرر، وبخاصة في الآونة الأخيرة.

تشهد المنطقة ارتفاعاً ملحوظاً في أجور المنازل، وصعوبة إيجاد منزل للإيجار، ويتشارك في هذه الحالة، أبناء المنطقة والوافدين إليها، لكنها في حال التهجير تكون أكثر صعوبة وقساوة، فلا أقارب لهم في الجوار يعينونهم وأغلبهم لا يملك دخلاً ثابتاً أو عملاً يعتاش منه.

يسرد أبو حمزة واقعه مع التهجير، بقوله: “عملت بالصخر وبائعاً جوالاً وعامل تنظيفات، حتى أنني اضطررت لاتخاذ التسول كمهنة، عندما جاع أطفالي ولم أجد ما أسد رمقهم به وقتها، فالجوع لا يرحم”.

ويؤكد أبو حمزة أنه ومع بداية وصولهم لريف إدلب تلقوا دعماً جيداً من المنظمات إلا أن ذلك لم يدم سوى بضعة أشهر ما لبث أن تضاءل حتى انقطع بالكامل إلا فيما ندر، بحسب قوله.

لم تنحصر معاناة النازحين بوافدي مدينة دون أخرى، بل تشاركها الجميع، بما فيهم الدفعات الأخيرة الوافدة من ريفي دمشق ودرعا.

أبو محمد الطير، مهجر من حي جوبر الدمشقي يقول: “الواقع صعب جداً، فنحن ثلاثة أسر نقطن منزل من غرفة واحدة، منحتنا إياها أسرة من ريف إدلب، وهي بالمجان، لكن إقامة ثلاثة أسر معا أمر صعب لفترات طويلة”.

أبو فهد الجوبراني هو الآخر ليس أحسن حالاً من ابن حيه وشريكه بالتهجير، فهو مصاب بقذيفة هاون، أدت لعجزٍ في جنبه الأيسر مما منعه العمل بشكل طبيعي ليؤمن دخلاً مالياً، يقي أسرته العوز، وعن مكان سكناه يقول أبو فهد: “تخيلوا غرفة نائية في جبل، لا تتوافر فيها أبسط مقومات السكن، وأدفع ثمانية آلاف ليرة سورية، أجرة شهرياً لقائه، مع العلم أنني لا أستطيع العمل، ولم أتلق مساعدات من أية جهة كانت، سوى ما يجود علي به بعض أهل الخير”.

وليس حال رياض القاق، وهو مهجر من حي جوبر الدمشقي، ولديه أسرة مؤلفة من أربعة أطفال وأمهم، بأحسن من سابقيه، يقول: “تم منحنا منزلاً مجانياً، لكنه عبارة عن منزل قديم جداً، فيه شقوق في السطح، مما يجعلنا عرضة لدلف المياه كلما هطل المطر، وبنية المنزل متهالكة نتيجة تعرضه للقصف مرتين”.

يضيف رياض قائلا: “لا أقوى على العمل كوني مصاب بشظية في العمود الفقري من أيام جوبر، وما يأتي من معونة توزع على ثلاث أسر بنفس الوقت، وبهذا لن تكفي لأيام، ونسمع عن مبالغ مالية تحول لنا كمساعدة لكننا لليوم لم يصلنا شيء”.

معينة أم خالد، أرملة شهيد، وأم لخمسة أطفال، تضطر للعمل كمستخدمة براتب ضئيل، لتؤمن مصاريف منزلها من كهرباء وغيره، بالإضافة لكلفة إيجار المنزل الذي تقطنه. تقول أم خالد: “في البداية تلقينا دعما لا بأس به، حتى منزلي كان بالمجان، أما اليوم فالدعم شبه معدوم، وأصحاب المنزل باتوا يتقاضون مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية شهريا كأجرة، وهو مبلغ كبير على أرملة لديها خمسة أطفال”.

يعود سبب غلاء أجور المنازل لكثرة عدد الوافدين بالباصات الخضراء، إلى الشمال المحرر، وقلة عدد المنازل المؤجرة بالأصل، وأيضا إلى جشع بعض أصحاب المنازل المؤجرة واستغلالهم حالة الناس.

عبر عن ذلك مدير جمعية التعاون الخيرية فضل العكل بالقول: “لم تكن المحافظة مهيئة لاستقبال كل هذا العدد  الهائل من الأسر الوافدة، حيث تجاوز العدد المليوني مهجر اليوم، والبيوت المهيأة للإيجار نادرة في إدلب، وهي  تعاني من أزمة سكن حتى ما قبل وصول دفعات الوافدين اليها”.

وأضاف العكل قائلا: “استغل بعض ملاك البيوت من ضعاف النفوس والتجار حاجة الوافدين والأهالي، ووجدوا في معاناتهم فرصة سانحة لرفع الاجار، وعليهم استغلالها”.

وعن دور جمعية التعاون الخيرية وغيرها من الجمعيات والمنظمات المهتمة بشؤون المهجرين، يقول فضل العكل: “أعددنا دراسة منذ بداية وصول دفعات المهجرين الأخيرة، من الجنوب السوري، للوقوف على قدرة الجمعية تقديم الدعم ولمن، حيث بلغ عدد الأسر ما يزيد عن (700) اسرة منهم (٣٠٠) في مدينة كفرنبل لوحدها”.

ويضيف العكل قائلاً: “قامت الجمعية بتأمين مساكن للوافدين، وكفلت دفع الإيجار عنهم لمدة ثلاثة أشهر متواصلة، كما وزعت لكل أسرة مجموعة من مستلزمات المنزل، من أدوات مطبخية، واسفنجات وبطانيات وغيرها، كما منحت كل أسرة مصدراً للطاقة الكهربائية وهي عبارة عن لوح لتوليد الكهرباء بطاقة الشمس وبطارية وتجهيزات التمديد بالكامل”.

وعن استمرار الجمعية بتقديم الدعم لتلك الأسر قال العكل: “سعت الجمعية لتأمين كفالة يتيم لكل أسرة أيتام وافدة من الغوطة الشرقية التي استقبلتها الجمعية وهو الأمر الذي ما يزال مستمراً حتى اليوم”.

وأردف العكل قائلا: “هناك منظمات  أخرى أمنت الدعم للوافدين، ولكن العدد الفاعل منها في تناقص مستمر والإمكانيات لا تقارن بعدد المحتاجين الذي يتزايد بشكلٍ مستمر أيضاً، ولجميع مقومات الحياة. ”

في ظل هذه الظروف تحتاج الأسر المهجرة إلى أي دعمٍ ممكن، صغر أم كبر، فقد يكون له أبلغ الأثر. كما يقول نزار أبو حمزة، صاحب خبرة أربع أعوام ونصف مع التهجير: “خمسة عشر ألف ليرة، كانت بمثابة المنقذ لي ولأولادي حينها من جوع محتم، ولست أنسى فضل من منحني إياها ما حييت”.