لا يظهر أن هناك حدوداً تقف عندها ظاهرة ممارسة العنف ضد النساء بكافة أشكاله، رمزياً كان أم مادياً، ابتداءاً من اعتبارها الضلع الأعوج ومروراً بتاريخٍ شهد تحويلها إلى سلعة تباع وتشترى في سوق الجواري والسبايا إلى استغلالٍ وتحويرٍ لتفسير النصوص الدينية لسجن المرأة و تقييدها داخل المنزل و منعها من إسماع صوتها للآخرين فصوتها عورة، هكذا يقول بعض المفسرين.

لم تكن الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي توصي بالمرأة تجد من يطبقها على أرض الواقع (رفقاً بالقوارير) هذا ما طلبه النبي مشيراً لإحساسها المرهف وضرورة مراعاته. كما كانت آخر وصاياه ” أوصيكم بالنساء خيراً”.

يفيد مدير الحالة الأستاذ صبحي حول هذا الموضوع بما يلي: ” كمدير حالة في منظمة إنسانية أواجه الكثير من المشكلات المتعلقة بالعنف ضد النساء علماً أن المرأة نتيجة الحرب أصبحت تمثل أكثر من نصف المجتمع وهي أقوى من السابق ولكن هذا لا يعني أنها لم تعد تضطهد بل زاد اضطهادها نتيجة هذه الضغوطات و الظروف”.

تمسك مجتمعنا الشرقي بكثير من العادات والتقاليد السيئة التي تضطهد المرأة وعلى الأخص عادة غسل العار بدمائها وهذا ماحصل منذ مدة في مدينه جرابلس بحق المغدورة رشا بسيس  حيث قام شقيقها بقتلها رمياً بالرصاص و بدم بارد و بتلذذ بالقتل فكان يستبدل مخزن البندقية بآخر مليئ بالرصاص ليفرغه في جسدها .لم تكن قادرة على التوسل إليه لأنها تعلم مسبقاً أن هذا التوسل لن يمنعه عن غسل عاره بدمها و استسلمت لقدرها وعادة قذرة في مجتمع جاهل .

لم تكن الجهات التي تدعي السيطرة على الشمال السوري قادرة على منع هذه الجريمة أو منع جرائم أخرى مشابهة بل وعلى العكس فهناك الكثير من هذه الأطراف تؤيد أفعالاً كهذه وتدعي أنها تطبيق للشريعة الإسلامية . وقد أدان عدد من التجمعات النسائية هذا الفعل الشنيع من خلال القيام  بوقفات  تضامنية و اصدار بيانات إدانة والمطالبة بمحاكمة المجرمين  ومنهم مكتب تمكين المرأة في بلدة حاس و مركز النساء الآن …و غيرهم، فإن أفضل من يدافع عن المرأة هي المرأة ذاتها  وهذا ما تسعى إليه العديد من منظمات المجتمع المدني من خلال إنشاء مكاتب للمرأة في عدة مناطق و تجمعات نسائية تدافع عن المرأة كإنسان له حقوقه بالتوازي مع الرجل .

لم يكن حال المرأة أقل اضطهاداً قبل الحرب في سوريا  بل كانت وسائل الإعلام شبه منعدمة عن نقل ما يحدث من جرائم ضد النساء. و أيضاً القوانين السورية لم تكن صارمة و خصوصاً  التمييز القاسي في حق المرأة و المتمثل بجرائم الشرف و التي تعرف بأنها (فعل جرمي يفضي إلى موت  مبرر ومسبغ عليه مشروعية قانونية تحت دعوى غسل العار) فهنا ترك القانون للشخص المرتكب لهذه الجريمة تقدير حدود هذه الريبة التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة. و تلك جريمة بحد ذاتها تدل على ضعف في القانون

“شهقت شهقتين”

تقول السيدة مريم  إحدى قريبات المغدورة جورية المرعي من ريف معرة النعمان الغربي: ” لقد قتلت  جورية المرعي منذ أحد عشر عاماً على يد والدها و إخوتها لغسل عارهم و بالتآمر مع المحاكم آنذاك التي فبركت تقريراً عن وفاتها يقول أنها فارقت الحياة نتيجة جلطة دماغية  بعد أن شخرت شخرتين و شهقت شهقتين  هذا ما كتب في التقرير حرفياً وبكل استهزاء بأبسط القيم الإنسانية ”

كما تقول المحامية نصرة الأعرج ” المرأة في مجتمعاتنا الشرقية ككل يمارس عليها كل أنواع العنف و بأشكال مختلفة تتفاوت من منطقة إلى أخرى و بين الريف و المدينة  أما فيما يتعلق بالعنف في سوريا فقد ازداد نتيجة عدة أسباب جوهرية من أهمها  الفلتان الأمني و أيضاً غياب القانون و تشرذم و تنوع و تناحر الجهات المسيطرة على مناطق الشمال المحرر بالإضافة لتسلط بعض الجهات على المحاكم و خصوصاً التي أحدثت في المناطق المحررة”.

تضيف الأعرج ” أنا كمحامية كنت أعمل ضمن المحاكم المدنية قبل الثورة و كنا نرى التساهل الكبير بحق الأشخاص الذين يعتدون على النساء باسم الشرف و العرض.

علماً أنه  لم يعد يحق لي أن أمارس المحاماة كمرأة ضمن المحاكم المدنية في الآونة الأخيرة من سنوات الثورة . في الوقت الحالي بدأت تعود الأمور بشكل تدريجي نوعاً ما ليحق لنا نحن النساء المحاميات ممارسة المحاماة من جديد”

كانت مشاركة المرأة في عدة مجالات قبل سنوات الحرب في سوريا  مقيدة و ليس لها الحرية في الاختيار كما تقول رزان المصطفى: ” لم أكن أعرف أي شيء عن السياسة أو الصحافة الحرة و الكثير من الأمور الأخرى. بعد بدء الثورة السورية فتحت لنا مجالات جديدة منها العمل في مجال الإعلام والعمل بحرية لتسليط الضوء على القضايا الحساسة في المجتمع برغم وجود جهات تحاول تقييد عملي و لكن مازلت قادرة على القيام بعملي بشكل مقبول كما  تعرفت على مجال لم أكن أعرف عنه أي شيء سابقاً “.

من المهم أن نكتشف الجرح و نضع أيدينا على مكان الألم ونحلل أسبابه . لكن الأهم من ذلك هو ابتكار العلاج المناسب ووضع الحلول و الآليات للتعافي من هذا الجرح فلا بد من نشر الوعي بما يخص احترام حقوق المرأة و تحقيق العدالة الاجتماعية لنرقى للحياة الطبيعية التي تحقق الاستقرار في كافة المجالات.