لا تكاد وقائع الحرب تستثني أحداً من آثارها على حياة الناس، من نقصٍ في المواد الأساسية والطبية وتردٍ في الأوضاع الاقتصادية، ولكنّ بعض الفئات تتأثر أكثر من غيرها بالظروف التي تحيط بها، مثل المسنّين الذين لم يجد بعضهم مفراً من الإقامة في دور العجزة.

يتضمن الشمال السوري دارين للمسنين فقط، إحداهما مدينة الدانا و الأخرى في بلدة إسقاط التابعة لمدينة سلقين.

لدى لقائنا مع مدير دار المسنين الدكتور محمد نور حميدي في إسقاط. قال :”تعرضت مدينة جسر الشغور لقصفٍ عنيف مما دعا السكان للنزوح من المدينة لأماكن أكثر أمناً فقمت مع فريق  يرافقني بتفقد من بقي في المدينة. و في أحد المنازل وجدنا ما يقارب العشرين مسناً وهم دون طعام أو شراب منذ ثلاثة أيام. إذ فرّ موظفو الدار وتركوهم بمفردهم “يضيف الدكتور حميدي: “لم نستطع تركهم قمنا بإجلائهم إلى مكان أكثر أمنناً و هو بلدتي إسقاط حيث استأجرت لهم داراً و أقوم بالعناية بهم ليومنا هذا دون مساعدة أحد”.

يأتي لدار المسنين وافدون جدد أسبوعياً ولكن لضعف الإمكانات و عدم توفر أي جهة تساعدني على أعباء الدار مادياً أو معنوياً نضطر لعدم استقبال الوافدين الجدد”.

قلة دور المسنين في تلك المناطق لم تكن نتيجة شح الاهتمام بهم بل هي نتيجة عدم الإقبال عليها سابقاً كون  العادات والتقاليد المتأصلة في المجتمع تعتبر أن المسن هو فرد ذو مكانةٍ بارزة في العائلة وهو بركة المنزل ومن الواجب رعايته والعناية به. وذهابه إلى دور ترعاه هو عقوق وعار يلاحق أبناءه .

جاءت الحرب  لتكسر  الكثير من العادات، إذ اضطر الكثير من الأبناء للسفر خارج البلاد هرباً من شبح الموت المترصد هنا وهناك، بينما بقي الآباء و الأمهات رافضين لمرافقة ابنائهم  لتعلقهم الكبير بالأرض التي ولدوا فيها أو لعدم قدرتهم على تكبد مشاق السفر.

تقول فاطمة بصوت متهدّج: ” تركت سوريا هرباً من القصف والموت مضطرةً لترك والدتي وحيدة. بعد ثلاثة أشهر علمت بوفاتها بسبب عدم توفر أدويتها فمعظم الأدوية مفقودة أو منتهية الصلاحية .لا أعلم سبب حدوث كل هذا ولكن أمراء الحرب وتجارها يعرفون الأسباب”.

يقول الأخصائي النفسي الدكتور سامر حاج موسى: “إن المسنين كباقي الناس صحتهم النفسية تؤثر سلباً أو إيجاباً على صحتهم الجسدية وتدهور صحة الكثير من المسنين و ازدياد معاناتهم بدا واضحاً أثناء الحرب السورية”.

تضيف زبيدة عن معاناتها مع والديها : “حاولت مراراً وتكراراً مع إخوتي إقناع أبوينا بالخروج لمكانٍ أكثر أمناً أثناء القصف، لكنهم  كانوا في كل مرة  يرفضون، مما يضطرني للبقاء معهم و تحمل أصوات  القصف و الخوف وشبح  الموت معهم في كل لحظةٍ محتملة”.

قلة من المسنين الذين رافقوا أبناءهم إلى أماكن أكثر أمناً  أو هاجروا معهم لكن الغالبية  منهم فضلوا البقاء وحيدين و اضطروا في النهاية للجوء لدار المسنين متجاوزين وكاسرين قيود العادات والتقاليد.