عادة تزويج الفتاة في سن مبكرة، هي أحد العادات الاجتماعية الراسخة في ذهنية المجتمعات الشرقية، منذ مئات السنين، حيث تعمد الأسرة الى تزويج بناتها، في مراحل البلوغ العمري الأولى، وفي بعض الأحيان قد لا يتجاوز عمر الفتاة المتزوجة أحد عشر عاماً.

هذه العادة تراجعت في العقود المنصرمة بفعل التطور الحضاري والانفتاح الذي ترافق معه، وارتفاع مستوى الوعي لدى شرائح المجتمع المختلفة.

اليوم تعود هذه الظاهرة لتنمو وتنتشر في المجتمع السوري بفعل أمور عدة على رأسها الحرب الدائرة وما نجم عنها من تفكك ديموغرافي وغياب للأمان ولمقومات الحياة الطبيعية والحضارية من تعليم وخدمات وغيرها.

ينجم عن زواج القاصرات مشاكل وصعوبات عدة، سواء على الأسرة الناشئة والمجتمع المحيط بها، أو على الفتاة نفسها، ولا تنحصر المخاطر بجهل وعدم معرفة الفتاة لكيفية تربية وتنشئة اسرة واطفال وتحمل عبء مسؤولية بيت وزوج فقط بل تتعداها لمخاطر صحية قد تتعرض لها الفتاة القاصر، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالحمل والانجاب.

جميلة (٢٠)عاماً، واحدة من هؤلاء الفتيات اللواتي قام الأهل بتزويجها في سن مبكرة وعن ذلك تقول: “زوجني والدي وعمري وقتها ثلاثة عشر عاماً، لم أكن أعلم ماذا يعني زوج وأسرة، لكنني كنت سعيدة بأنني سأصبح عروسا كبقية الفتيات”.

وتتابع جميلة فتقول: “بعد زواجي بقيت ستة أعوام بدون حمل، والسبب كان بحسب رأي الاطباء، عدم نضوجي واستعدادي بعد كي أنجب”.

وأضافت تقول: “ومن ثم حملت بولدي الاول وعانيت كثيرا من مضاعفات الحمل، حتى لحظة الولادة، حيث كانت ولادتي متعسرة بعض الشيء، اضطرت الطبيبة للجوء إلى الولادة القيصرية”.

لم تنته معاناة جميلة عند هذا الحد بل بدأ فصل جديد منها كما تشرح: “جراء مضاعفات الحمل، وتعسر المخاض والولادة، نجم عن ذلك تشقق في جدار الرحم عندي كما أخبرتني طبيبتي المختصة، وهو ما يعني عدم تمكني من الحمل والإنجاب مرة أخرى”.

وتردف جميلة فتقول: “صحيح انني حظيت بزواج مبكر لكنني فقدت أهم ما تتمناه معظم النساء وهو إمكانية الإنجاب مرة أخرى، وهو ما يوازي احساسي بالموت تماماً”.

مريم ( ٤٢) عاماً، عاملة في أحد مشافي التوليد، ترى في زواج الفتاة بسن صغيرة خطأ كبيراً وتعارضه بشدة، فتقول: “تردنا عشرات حالات الولادة يومياً وحيت تكون الزوجة فتاة صغيرة فهي تعاني الأمرين حتى تنجب والكثيرات منهن لا يتمكن من الولادة الطبيعية دون تدخل جراحي”.

تضيف مريم فتقول: “لن أضع إحدى بناتي في هذا الوضع الخطر، ولن أزوجها حتى تبلغ تماما وتنضج”.

نزهة(30)عاماً، معلمة، لها رأي مختلف، إذ لا تجد حرجاً في تزويج الفتيات والشباب في سن مبكرة بل تجده الحل الأمثل لضبط الشباب المراهق معللة ذلك بالقول: “بات جيل الشباب بمعظمهم دون دراسة ولا عمل منتظم، وهذا سيدفعه للانحراف او للضياع، وقد يكون الزواج لهم حلاً جيداً ومناسباً، في ظل ما نعيشه اليوم من واقع استثنائي بفعل الحرب”.

الدكتورة مروة الغزول، اخصائية توليد وأمراض نسائية، تشرح مخاطر الحمل المبكر للفتاة في سن صغيرة فتقول: “الحمل قبل سن الثامنة عشرة، يصنف من الحمول عالية الخطورة حيث أنه يزيد نسبة المخاض الباكر والولادات الباكرة وعسرة المخاض بالإضافة الى أنه يزيد نسبة فقر الدم المرافق للحمل ومقدمة الارتعاج الحملي”.

كما أردفت الدكتورة الغزول فقالت: ” كما ان الزواج المبكر يؤهب لزيادة نسبة سرطان عنق الرحم لاحقاً”.

وأضافت: “أستقبل يومياً عشرات الفتيات الحوامل دون سن الثامنة عشر، ويعانين الكثير وأغلبهن يتطلب حملهن مراقبة منتظمة حتى الإنجاب، والذي غالباً ما ينتهي بعمل جراحي للحامل وللأسف، بسبب عدم اكتمال النضوج الجسماني لديها”.

وختمت الغزول كلامها بالقول: “يبدو أننا فعلا بحاجة اليوم، لحملات توعية، على صعيد الأسر للتعريف ونشر الوعي بمخاطر الزواج المبكر والحمل على الفتاة”.

في ظل ما افرزته الحرب الدائرة اليوم في سوريا، من واقع متردٍ ونقص في كثير من الحدود الدنيا لمتطلبات الحياة الطبيعية بالمقارنة مع مثيلاتها من بقية الدول والمجتمعات، ستظل ظاهرة الزواج المبكر في ازدياد وتزداد مخاطرها يوماً بعد يوم، والفتاة هي من تدفع ضريبة كل ذلك في النهاية.