موزاييك_ كفرنبل

تشتهر مدينة “كفرنبل” جنوبي إدلب بالأعمال اليدوية التي يعمل بها معظم السكان، وعلى رأسها حرفة الموزاييك أو “الفسيفساء، حيث يمتاز سكانها بدقة عملهم وصنع لوحات جميلة مميزة تصدر إلى دول عربية أبرزها دول الخليج، بالإضافة لعدة مدن أوروبية، وباتت “كفرنبل” تعرف باسم “مدينة الموزاييك” حيث يعمل فيها أكثر من 13 ورشة، ويصل أعداد العاملين فيها إلى 2000 شخص، ولا يقف الأمر عند الرجال فقط بل توجد الكثيرات من النساء اللواتي يعملن بهذه المهنة، ممن يطمحن إلى مردودٍ مادي يعيلهن ويوفر لهن أسباب الحياة،ولكن تبقى هناك صعوبات وعوائق تقف أمام عملهن، وخصوصاً فيما يتعلق بتوفير المواد الأساسية التي تشمل حجارة خاصة لا بد منها، وتدخل في صناعة الموزاييك.

وفي حديثٍ خاص قال السيد” محمد شعبان” صاحب أحد ورش الموزاييك في مدينة كفرنبل: “مع بداية انطلاق الثورة السورية تأثرت مهنة الموزاييك وباتت تعاني من تراجع ملحوظ بسبب عدم القدرة على إحضار المواد الأولية التي تتألف من الرخام والشعلة والتي كانت تأتينا من مناطق سيطرة النظام، مما اضطرنا إلى شرائها من تركيا باسعار مرتفعة جداً”.

وأضاف: “أنّ قطع الطرقات بين المناطق كان له تأثير كبير من حيث شحن الطلبيات، وخصوصاً إذا كانت الطلبيات إلى خارج سوريا، فأصبحنا نشحن الكميات بشكل جماعي كل عشرة أيام بسعر 10 دولار على الكيلو غرام الواحد، ما يعني 100 دولار أجرة شحن اللوحة تقريباً، إضافة إلى مصادرتها من قبل مليشيات الأسد، لاسيما أنه في كل مرة كنا نرسل لوحات إلى لبنان يتم مصادرة بعضها ويتركون باقي اللوحات”.

وأشار شعبان إلى “أن اللوحة التي تزن 20 كيلو غرام نضطر لدفع مبلغ كبير مقابل شحنها، ما يعني انعدام المرابح، وهو ما أدى إلى تقليل الطلبيات وعدد العاملين فيها، وخلال مرحلة الثورة أصبح العمل بالموزاييك مع استمرار قطع الطرق إلى لبنان والضرائب الكبيرة التي ندفعها”.

وأوضح: “أن الموزاييك  عبارة عن رسم بالحجارة الطبيعية أو الصناعية، وهذه الحرفة موجودة منذ أكثر من 2000 عام، كان يعمل بها اليونانيين والرومانيين، ومن ثم انتقلت إلى البلاد العربية من خلال الآثار المنتشرة بكل دول العالم، وخاصة بالمناطق العربية وزاد عليها تقريبًا وجود الدولة العثمانية سابقاً”.

وعن كيفة صنع اللوحات تحدث شعبان قائلاً: “نقوم بعمل اللوحة على شكل صورة لها أبعاد معينة ومساحة معينة مساحة على شكل وردة أو حيوان أو منظر طبيعي، وكل شخص يحاول وضع الألوان المناسبة ويتم تركيبها فوق بعض حتى تعطي أي شكل يراد تكوينه لتكون بالنهاية تحفة فنية، كما أن تقطيع الحجارة يكون هندسياً على شكل مربعات قطرها 1 سم، أو مستطيل قطره 1.5 سم، ومثلثات ودوائر صغيرة تركب وتوضع ضمن طريقة معينة لحين تعطي أي خط نريد رسمه، كما أن كل الألوان في الحجارة تقطع حسب الألوان في اللوحة، وتقطع بشكل هندسي تتركب مع بعضها ضمن إبداع الشخص لتعطينا اللون المطلوب”.

وأردف شعبان: “يوجد أنواع كثيرة للحجارة وألوان متعددة،منها ألوان طبيعية، ومنها ألوان مسبقة الصنع، ومنها ألوان مستوردة من خارج سوريا من أسبانيا والصين والبرازيل والهند، وهناك أيضاً ألوان صناعية تصنع في معامل سورية، حيث يصل سعر الكيلو غرام الواحد لبعض الحجارة أكثر من 15 ألف دولار، إضافة لوجود أحجار بسعر دولار واحد للكيلو غرام الواحد”.

وقال لنا السيد تركي من مدينة كفرنبل وأحد العاملين في مهنة الموزاييك:  إن “سوق الموزاييك كان كبير جداً في لبنان، وكان هناك عدة أشخاص في لبنان  يقومون بالتصدير على مستوى العالم، فكان هناك إقبال كبير عليها، وكان العامل بهذه المهنة قبل الثورة يحظى بدخل مادي كبير”.

وأضاف تركي: أنه ” كان راتبي عام 2007 يقدر بحوالي 35 ألف ليرة سورية، حسب عدد ساعات العمل وكان سوق التصدير من لبنان والأردن لكافة دول العالم، أما حالياً فلا يوجد في كفرنبل إلا ثلاثة ورش لعمل الموزاييك، وكل ورشة تتألف من 15 شخص، إضافة لثلاثة ورش نسائية تعمل في البيوت”، مشيراً إلى أن البرد القارس في الشتاء وغلاء مادة المازوت للتدفئة يؤثر على كمية إنتاج المشغل لأنه يؤثر على أداء العمال”.

وأوضح تركي: أنه “حالياً لايوجد سوق حلية لتصريف الموزاييك، لأن السوق الرئيسي كان في لبنان والأردن ومنه إلى أمريكا وأوروبا، والتاجر اللبناني الذي كنا نقوم بتوريده اللوحات كان يشترط علينا التسليم في وقت محدد لأن البيع يتم عن طريق الإنترنت، إلا أن الأوضاع الحالية في سوريا عرقلت هذا الأمر ولا نستطيع التسليم في الوقت المحدد ونقلها إلى لبنان، مما جعل أصحاب الورش الكبيرة في لبنان يعملون ضمن بلدهم، بالإضافة لذهاب بعض الورش إلى تركيا لسهولة التصدير إلى لبنان وأوروبا، مما زاد في التكاليف وقلة المرابح بسبب تكاليف الشحن”.

بدورها، قالت السيدة نجاح في حديثها: “إن هذه المهنة من المهن الصعبة على النساء ورغم صعوبتها تقوم بعضهن بالعمل بها، فمن الصعب على النساء في المناطق المحررة الذهاب إلى ورشات الموزاييك، ولا يوجد ورشات خاصة للنساء، ولكننا نقوم بالعمل في البيوت”.

وعن سبب عملها في الموزاييك ذكرت نجاح أنها وزميلاتها يعملن بهذه المهنة لأسباب عدة أهمها مساعدة الزوج والأهل بالمدخول المادي، في ظل الظروف المعيشية الصعبة، سواء قبل الحرب أو بعدها، حيث تستطيع المرأة تأمين مصاريف البيت بنسبة 50 بالمئة، وهناك فتيات استطعن تأمين دخل بيوتهن بالكامل”

وأشار إلى أن “عدد العاملات قبل الثورة في مهنة الموزاييك وصل إلى 2000 امرأة، في حين لا يتجاوز عددهن اليوم العشر نساء بسبب الصعوبات التي باتت تواجهها هذه المهنة”.

يُذكر أن سنوات الحرب في سوريا كان لها تأثير على كل القطاعات في سوريا، ومهنة الموزاييك كغيرها من مئات المهن الأخرى تأثرت بفعل  آثار المعارك طوال السنين الماضية، ونزح العديد من اصحابها كما هجرها آخرون بعد صعوبات العمل بها من تأمين مواد أساسية لها وسوق تصريف.