Source: OMAR HAJ KADOUR/AFP/Getty Images)

تستأنف رباب واجباتها كمدّرسة على أكمل وجه رغم عدم تمكنّها من استلام راتبها منذ بضعة أشهر، متيقنة أن الطلاب لا ذنب لهم فيما يجري، ففي الوقت الذي يقول فيه البعض ممن تتشابه ظروفهم مع ظروف رباب: “مانا مجبورين نعلّم بلا مقابل”، يرد البعض بـ”عوضنا على الله”. ويعيش جميعهم منتظرين أي خبر يتعلق بشأن طريق السفر.

يتداخل تأثير الأزمة في سوريا مع كل مناحي حياة المواطنين، ومنها الحصول على لقمة العيش، إذ باتت من الأمور المرهقة في المناطق المحررة، وبالأخص على الناس القاطنين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري،(كأهل مدينة إدلب والريف)، ممن لا تزال وظائفهم وأجورهم تابعة له. يشكّل المعلمون أبرز فئات هذه الشريحة بالإضافة لموظفي الكهرباء والماء، والذي شكل انقطاع بعض طرق الذهاب والإياب عنهم مؤخراً، وغلاء تكاليف الذهاب والاياب بالسفر بطرق أخرى إلى جانب حواجز العسكرية أكبر العوائق التي تحول بينهم وبين إمكانية تسلّم  رواتبهم منذ سيطرة جيش الفتح على إدلب وخروج القوات التابعة للنظام السوري منها.

خلال لقائنا مع أبو أحمد أحد أولئك المعلمين أشار إلى أن عدد المعلمين التابعين لمديرية التربية في حماة يصل  إلى 12 ألف وقال :”تقريباً يصل عدد الأشخاص الذين لم يذهبوا لتسلم مستحقاتهم إلى 8 آلاف منذ ثلاثة أشهر وإلى الآن، بينما الـ 4000 ألاف الآخرون فمنهم من أجبر على الذهاب لأنه مر على عدم استلامهم للمستحقات 6 أشهر، وإذا تجاوزوا المدة المذكورة ستتم إحالة أسمائهم إلى المالية وبالتالي معاقبتهم، في حين تجاوز آخرون المدة بتجاهلهم الموضوع”.

كيف كانت تتم عملية “التقبيض” قبل معركة إدلب؟

قبل معركة إدلب، كان الموظفون يحصلون على رواتبهم عن طريق “معتمد” أي شخص يذهب إلى إدلب حاملاً رواتب كل معلمي المنطقة التي يحمل مسؤوليتها، ويعطي كلاً منهم راتبه، دون أن يسافر أحدهم أو يتكبد العناء أو حتى يتكلف دفع أي مقابلٍ للعملية، فيما بعد توجب على كل موظف أن يسافر إلى إدلب شخصيا ليحصل على راتبه، فكانت تكلفة الذهاب والإياب تبلغ 1000 ل.س، بالإضافة لأجور “التاكسي”إذا تطلب الأمر، إلى جانب المشي على الأقدام أحيانا من “بنّش” القرية الواقعة في الشمال السوري، وحتى مدينة “إدلب” مسافة 7 كم.

لكن بعد “التحرير”بات كل منهم مضطراً للسفر إلى حماة، عن طريق واحد من أربع طرق، إما طريق منبج أو طريق مورك بالإضافة لطريق السقيلبية وطريق أبوضهور. وتشترك الطرق في وجود حواجز عسكرية يتعرض فيها المسافرون القادمون من المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام إلى معاملة صعبة، وتسلب منهم  مبالغ من المال أحياناً، وتختلف تلك الطرق ببعدها عن حماة، والمدة الزمنية المستغرقة للوصول إليها.

تقول بثينة:”كنت في حماة قبل أن ينقطع الطريق بأسبوع، ثم مكثت لمدة ثلاثة أشهر بعيدة عن زوجي وبيتي في قرية كفرسجنة، فهممت بالسفر عن طريق حلب، دفعت 25 ألف ل.س أي ما يقارب ثلاثة أرباع راتبي الشهري، واستغرقت يومين حتى إلى وصلت القرية، لكثرة حواجز التفتيش”.وتكمل ثناء :”طريق أبو ضهور متاح للذهاب، لكن العودة منه غير ممكنة، سافرت بواسطته فكان الوضع عسيراً لدرجةٍ كبيرة، ودفعت 13 ألف ل.س، والتكلفة تتراوح ما بين الـ(15 لل20). اضطررت للسفر لأن جامعتي هناك، ولن أعود حتى أنهي عامي الدراسي”، في حين أن طريقي السقيلبية ومورك مغلقان الأن. ومنذ فترة قريبة افتتح طريق مورك لمدة قصيرة، ثم انقطع مجدداً. لكن أجور السفر ذهاباً وإياباً وصلت إلى 40 ألف كحد أدنى. في حين أن راتب المعلم شهريا تقريبا 37 ألف، علق الأستاذ سامح:”وشو حيصفيلنا، نضل بالبيت احسن”.

بدائل عن وظائف النظام

في حين يقول أبو محمد أحد العاملين مع المجمعات التربوية التابعة لمديرية التربية الحرة:”يشترط على من ينضم للعمل في المدارس التابعة لنا أن يترك وظيفته مع النظام، ثم يخضع لمسابقة أو يعمل بشكل تطوعي، فنرفع إسمه، فما إن تحصل  توسعة يكون له نصيب منها”، إلا أن المدرس أبو رامي يقول عن المجمعات:”هم لا يقدمون رواتب أثناء عطلة الصيف”، لكن رواتب الموظفين التابعين للتربية “الحرة” أعلى من رواتب موظفي النظام، فالأخيرة من 35 ألف إلى 37 ألف، بينما العاملين على ملاك الحرة تقدر ب120$، عدا مدى سهولة قبضها وبدون تكاليف، إذ تتواجد مكاتب حوالات في كل قرية، يتم التقبيض عن طريقها. يقول أبو علي أحد المشرفين على مكتب حوالات: “تصلنا من مديرية التربية الحرة جداول مرفقة بأسماء المعلمين الواجب إعطائهم الراتب، كذلك أرقامهم، ثم نطلب منهم ورقة قائم على رأس العمل بالإضافة للهوية الشخصية للتأكد من صاحب العلاقة ثم نعطيه راتبه.”

علاوةً عن ذلك تمنح المنظمات في الداخل والخارج فرص ومشاريع لجميع حملة الشهادات وذوي الخبرة، لكن بشروط. وذلك ما ذكره مصعب العبدالله مدير المجلس المحلي في مدينة قباسين وقال:”نعلن عن حاجتنا لموظفين لمشروع ما، أو من أجل شاغر وظيفي مع أحد المنظمات أو المؤسسات، فنقوم بنشر إعلان عن طريق السوشال ميديا” يتضمن شروط التقدم من الشهادة والخبرة كذلك، فنستقبل الـ”سيفيات” أي السير الذاتية للمتقدم، ثم نتصل بمن وجدنا فيهم المؤهلات، ليخضعوا لاختبار إما شفهي أو كتابي، وعلى أساسه نختار الموظفين المناسبين.

لم يتمسك بعض الموظفين بالعمل لصالح الدوائر الرسمية؟

إلا أن جزءاً من أولئك الموظفين لا يزال متمسكاً بالنظام  حتى الوقت الراهن، وذلك لأسباب مختلفة، تقول نجمة:”نحن نخاف أن تعود سيطرة النظام على المنطقة من جديد، لذلك لا نريد أن نسود صفحتنا معه”، ويسرد علاء:”أنا لا أزال أعمل تحت إسمه ليس من باب القناعة، وإنما خوفاً على أولادي الذين يدرسون بالجامعات، فالجامعات الموجودة في الشمال السوري لم تحصل على اعتراف خارجي، ناهيك عن كلفتها الباهظة”، وتضيف سحر:”أنا أشعر أن النظام مضمون أكثر، فقليل دائم أفضل من كثير منقطع”.

كما أن النظام بإمكانه أن يرسل المال بحوالات عن طريق مكتب، إذا يوجد حوالات بين المناطق الخارجة عن سيطرته، والتابعة له، وقد اقترح بعض المعلمين أن يتم تقبيضهم عن طريقها إلا أن طلبهم رفض من باب الضغط عليهم. إلا أن أبو أحمد أشار إلى أن ذلك من أجل  أو من باب الحفاظ على الارتباط الوطني.

ويكمل عماد وغيره عملهم كمعلمين في المدارس، ليبقوا جميعاً قيد الانتظار، انتظار حل لما هم فيه الآن وبأقل الخسائر الممكنة، فهم كغيرهم من السوريين خلال أيامهم المتكررة على نفس المنوال من التعب والقهر، يحلمون بمعجزة تخرجهم من سواد أزمة لم تذر شيء في حياتهم، إلا وألقت بسلبياتها عليه.