م: الجزيرة

عندما وصلت إلى الأراضي السورية منذ سنوات، كانت تلك بالنسبة إليها فاتحةً لحياةٍ جديدة، ولم تتكن لتتخيل المدى الذي ستصل إليه الأمور فيما بعد مع اندلاع الثورة السورية.

إنها (أم محمد) سيدة من أصول سودانية، تزوجت من رجل سوري كان يعمل في شركة عقارات في السودان، وعندما قرر العودة إلى وطنه سورية جاءت برفقته إلى مدينة حلب في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة السورية، ليقيما في سوريا لفترةٍ من الزمن قبل أن يعودا إلى السودان مرة أخرى. ومن ثمّ حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد انفصلت عن زوجها بعد أن أنجبت منه أربعة أطفال كان الأخير فيهم غير مسجل وفق أوراقٍ رسمية.

كانت تلك هي أولى مشاكل أم محمد التي افتتحت سلسلةً من المشاكل. بعد ذلك، طالتها آثار الظروف التي خلّفتها الحرب في البلاد، فأصبحت كحال السوريين المتواجدين من حولها، غير قادرةٍ على التحرّك خارج الأراضي السورية المحررة، في الحين الذي بات السفر إلى الدول الأخرى حكراً على المقيمين في مناطق النظام فقط.

وجدت أم محمد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الهجرة بطريقة غير شرعية تعرّض حياتها وحياة أولادها للموت، وإما البقاء في أرضٍ تسيطر عليها أجواء الحرب.

في خطوة مليئة بالتفاؤل وانطلاقاً من التسهيلات التي تقدمها السفارة السودانية السودانيين المقيمين في الأراضي السورية، تأملت أم محمد بالسفر والعودة إلى وطنها في السودان برفقة أولادها الأربعة ظناً منها أن جنسيتها السودانية وجواز سفرها سيكونان الحلّ المسعف للخلاص من حالة الضياع التي كانت تعيشها، فلم يكن ألم فراقها عن أهلها هو الوحيد، بل عاصرت سنوات الحرب الثمانية التي عاشها السوريون حتى انتهى بها المطاف إلى النزوح لدار الأرقم في أطمة التي تقع على الحدود السورية التركية.

لم تستطع تلك السيدة أن تعود إلى السودان نتيجة انتهاء مدة جواز سفرها رغم محاولاتها بالوصول إلى طرف الخيط الذي سيحلّ مشكلتها، فقد لجأت إلى السفارة السودانية عن طريق مراسلتها لتقديم التسهيلات لها ولأولادها بقضية السفر والعودة إلى وطنها، ولكن عبثاً دون جدوى، وأكثر مايثير الغرابة في الموضوع أن سفير الخرطوم في سوريا قد أكد بأن السودانيين المقيمين في كل المدن السورية بخير، وأنهم موجودون في مناطق آمنة بعيدة عن أماكن الأحداث وأن الأمور مطمئنة، وبالتالي تصبح قضية أم محمد قيد الانتظار لأسباب مبهمة، دون وجود تفسيرٍ لعدم استجابة السفارة السودانية لمناشدتها عن طريق مؤسسة خيرية عدة مرات.

كل ما كانت تريده السيدة أم محمد أن تتمكن من العيش في بيئةٍ آمنة لتربي أولادها، دون أن تجد نفسها عالقةً في ظرفٍ تفرضه الوقائع المعقّدة للحرب المستمرة منذ سنواتٍ على الأراضي السورية دون أن تتمكن من العودة إلى بلادها ولا من تأسيس حياةٍ ملائمة لها ولأسرتها في سوريا.