Source: COC_PUBLIC_DOMAIN

“ظننتُ الصوت صادراً عن قطة تموء من شدة التعب أو الألم في البداية . كان صوت موائها أشبه بالأنين و كأنها لحظاتها الأخيرة قبل الموت” تقول أم محمد، وتستطرد: “ذهبت قاصدةً ذلك الصوت علني أجدها و أساعدها. لم أجد قطة بل وجدت الصوت صادراً عن كائنٍ متدثر بقطعة القماش التي يلف بها الطفل عند الولادة عادة. نعم إنها طفلة حديثة الولادة كانت ملقاةً على قارعة الطريق المؤدي إلى منزلي بجانب جذع شجرة زيتون و تبدو آثار دماء الولادة على وجهها كان ذلك وقت الظهيرة. حملتها و عدت بها إلى المنزل ولا أعرف ما هو الشعور الذي ينتابني وأنا أحملها كانت مخلوقاً ضعيفاً يثير الشفقة . أكاد لا أصدق أنني وجدت تلك الطفلة الصغيرة. ظننت أني أحلم لعدة لحظات لكنّها كانت حقيقة. كنت أتساءل لماذا ألقيت هذه الطفلة على قارعة الطريق و كيف استطاعت تلك الأم أو ذلك الأب أن يفعلا ذلك بابنتهما . كنت أحياناً أبرر للأم فعلتها لا لأنها ليست مذنبة بل ربما لأنني أم مثلها . لعلها تخلصت من شبح الموت الذي يلاحقها نتيجة العار المتمثل في العلاقة غير الشرعية التي أثمرت عن هذه الطفلة الصغيرة . لا أعلم يا ابنتي إن كانت محقة فيما فعلت لكن ألا يستطيع ذلك الوالد أن يرعى ابنته ويجد أكثر من طريقة ليحافظ عليها؟ لا يمكنني أن أبرر ذنب والدها سواءاً كان ما فعله نتيجة ظروفٍ مادية أو نتيجة خوف من عار قد يلاحقه فلا مبرر لترك طفل نتيجة ذلك و خاصة أنّ القصاص في مجتمعنا لا يطال سوى المرأة و يستثني الرجل”.

تصمت أم محمد للحظات و تشخص عينيها بعيداً و كأنها تتخيل نفسها تلك الأم التي ألقت بطفلتها. لم أحاول أن أقطع استرسال أفكارها لكنها شعرت بوجودي قربها ثم نظرت إلي و قالت: ” هل تعلمين يا ابنتي أنني قد اعتدت عليها؟ أرضعها مع طفلي الصغير . لقد أشفق عليها كل من سمع بها أو شاهدها و جاء الكثيرمن الناس إلينا لتبنيها. كان معظمهم ممن لم يرزقوا بأطفال و منهم من حاول دفع المال لشرائها. لقد رفضت أنا و أبو محمد كل تلك العروض. منذ عدة أيام جاءت إلي جارتي فاطمة التي لم يهبها الله أطفالاً. لقد طلبت مني الطفلة متوسلة إلي. وقد كانت مكسورة الخاطر فلم أستطع أنا و أبو محمد إلا أن نجبر بخاطرها و نعطيها تلك الطفلة. لقد فرحت فاطمة كثيراً عندما حملتها بين ذراعيها و ضمتها بقوة إلى صدرها. خرجت فاطمة من الباب مهرولة و كانها تخشى أن أغير رأيي وأسلبها طفلتها الجديدة”.

لم تكن هذه الحادثة التي روتها أم محمد هي الوحيدة من نوعها، فكم من طفل وجد على باب منزل أو مستشفى أو مسجد أو في أماكن مختلفة حيث لا يمكن أن ننسى حادثة الطفل الذي لا يتعدى عمره الساعات والذي وجده الأهالي في مدينة إدلب وقد فارق الحياة في الأراضي الزراعية، بعد أن هاجمته الحيوانات المفترسة المتواجدة في تلك الأراضي.

يقول الأستاذ محمد الاسماعيل الأخصائي الاجتماعي “يعود انتشار هذه الظاهرة حالياً لعدة أسباب أولها الحرب والفقر وكثرة حالات الترمل والطلاق وازدياد نسبة العنوسة نتيجة الأمراض الاجتماعية المنتشرة كالزواج المبكر والطلاق كما للأوضاع الاقتصادية والعادات والتقاليد و قلة الوعي في المجتمع أثر كبير في زيادة انتشار هذه الظاهرة مما يجعل الحلول محدودةً أمام الأم التي لا تتردد كثيراً قبل أن تتخلى عن طفلها الذي ولدته للتو”.

ما هي الإجراءات المتبّعة في أحوالٍ كهذه؟

يأتي هنا دور المجتمع والمنظمات الإنسانية في حماية هؤلاء الأطفال وتأمين المأوى والرعاية لهم كما تقول السيدة مريم اليوسف مديرة مكتب المرأة في المجلس المحلي لبلدة حاس “عندما تحدث هذه الحالات في المجتمع و في حال لم يتم تبني هؤلاء الأطفال من قبل أي عائلة فإن المجلس المحلي يقوم بالتواصل مع المنظمات الإنسانية التي تعمل في هذا المجال كدار الأيتام و مدرسة الرحمة في الدانا و التي استقبلت عدة حالات لأطفال وجدوا في أماكن متعددة و تقوم الدار برعايتهم و تقديم كل ما يلزم لهم”.

تتجلى في هذه الظاهرة مجموعةٌ من المشاكل التي يواجهها مجتمعنا والتي ازدادت سوءاً بفعل الحرب الدائرة في البلاد، فمن سوء الظروف المعيشية التي قد تصل إلى حد تفكير الأهالي بالتخلي عن أطفالهم إلى واقعٍ مرير تواجهه النساء اللواتي يصلن إلى مرحلة تفضيل خيار التخلّي عن الطفل حديث الولادة على مواجهة مجتمعٍ يحوّل حياتها إلى جحيم محملاً إياها وحدها المسؤولية عن أي تجاوزٍ أو مشكلة.