ت: ياسمين عتيق

كل مجتمعٍ محكوم بعاداتٍ وتقاليد وقيم اجتماعية مختلفة قد تصل إلى حدٍ تصبح فيه في منزلة قوانين تحكم الحياة الاجتماعية وترثها الأجيال على نحوٍ متعاقب تماماً كما ترث ثقافتها وحضارتها ونهضتها.

تختلف هذه العادات والتقاليد بين مجتمع وآخر وإن كان لا يفصلهما جغرافياً سوى أمتارٍ ضئيلة، وتتنوع مجالاتها لتشمل عادات الأكل وطريقة تحضيره وتقديمه إلى جانب طريقة اللباس وتصميم البيوت وقواعد اختلاط الجنسين وتقاليد الخطبة ومراسم الزواج …..حتى الوفاة لها تقاليد ومراسم خاصة يتميز بها مجتمع عن سواه، ليس بالضرورة أن تكون هذه العادات والتقاليد هي الأمثل والأكثر ملائمة للمجتمع والسكان الذين يقطنون فيه لمجرد أنها موجودة، هناك عادات وتقاليد قد تكون محرجة لبعض الأسر ومرهقة لهم مادياً أو معنوياً كعادة “الثالث” أو “المقرية” التي عرفت في بلدة البارة الواقعة في الريف الجنوبي لإدلب، والتي يقوم فيها ذوي المتوفي في اليوم الثالث لوفاته بمراسم خاصة ومتميزة من ذبح للنعاج وإعداد (اللحم بعجين) وتقديمه لعموم القادمين مع اللبن الطازج والفواكه والحلويات وغيرها من المأكولات بعد انتهاء الحاضرين من القراءة من القرآن على روح الميت.

تقول آمنة الفرحات (28) عام من بلدة حاس متزوجة من أحد شبّان بلدة البارة: “بعد فترة من زواجي واستقراري في بلدة البارة سمعت صوتاً من أحد مساجد البلدة ينادي :(الى أهالي البلدة التوجه الى منزل أحمد جميل الليلة لحضور الثالث ) كرر المنادي نداءه ثلاث مرات مما شد انتباهي ودعاني لسؤال زوجي ماذا يقصد المنادي بكلامه، أخبرني زوجي أن الناس تتوافد الى منزل المتوفي في اليوم الثالث لوفاته فيقرآون له ما تيسر من القرآن ويتناولون الطعام والشعيبيات التي أعدها ذوو المتوفي.” تعقب أمنة على ما سمعته من زوجها عن هذه العادة بأنّها عادة سيئة جداً، إذ توّزع فيها حلوى الشعيبيات مع أنّه عزاء وليس فرحاً بحضور مختلف أطياف البلدة من أقارب وغيرهم، وأهل الفقيد لديهم من الحزن ما يكفيهم لينشغلوا به بدلاً من الانشغال بإعداد الطعام وتقديم الحلويات والفواكه فضلاً عن أن الأسر محدودة الدخل تتكلف بسبب هذا الواجب ما لا طاقة لها به، تضيف الفرحات: “لاتوجد هذه العادة في بلدتنا علماً أنها لا تبعد عن بلدة البارة إلا (11) كم، ويختلف إبراهيم (50) عام من أهالي بلدة البارة مع الفرحات في الرأي: “أنّها عادة حسنة، إذ يتمكن الجميع من الأكل، الفقير والغني ومتوسط الحال وغيرهم”. ويتفق معه محمد (40) عاماً بأنّها عادة يأكل منها الفقير والغني وغيرهم أي من هم بحاجة الى الطعام ومن هم ليسوا بحاجة له. ويكمل: “عندما توفي ولدي لم أتمكّن من اتباع هذه العادة واكتفيت بتوزيع مبلغٍ من المال صدقة عن روحه للفقراء والمحتاجين والأرامل فقط.”

يقول مؤيد فارس (40) عام أنه تقليد جيد: “من زمن أجدادنا نجتمع ونقرأ في المصحف ونذكر الله والفقير والمحتاج يأكل الطعام، هذا هو الثالث وهو ليس أمراً سيئاً، أنها عادة يستفيد منها الفقراء.”

في المقرية إحراجات كما يراها محمد صيدلاني (30) عام. يذكر محمد أنه منذ طفولته يعهدها تنتشر في البلدة، يقول بعضهم أنها ليست عادة قديمة جداً لكنها باتت تلزم كل جنازة في البلدة. يقول الحكم الشرعي في هذه العادة أنّها غير ملزمة دينياً، لكن الأعراف والتقاليد أحياناً تتغلب على حكم الشرع، ويضيف على رأي الصيدلاني محمد عبدالله الحمادي (58) عام: عادة جيدة إذا كان لدى الشخص الاستطاعة والقدرة ونحن نتابع القيام بها منذ زمن طويل.”

تقول فطينة (45) عام هناك أشخاص لا قدرة لهم وهناك أشخاص تقتنع بهذه العادة مئة بالمئة وتحب أن تذبح النعاج وتصنع الطعام كغيرها فمن لا يعمل بها ويقوم بتوزيع الأموال فقط يوصف بالبخيل لعدم قدرته على تأدية الواجب، تقطع كلام فطينة عيوش (65) عام برأيها المعتدل (على الحال والتحمل) أي أنه من يستطيع أن يعمل بها فليعمل ومن لا يستطيع لا يعمل فهي ليست إجبارية فليعمل ذوي الميت لميتهم ما يشاؤون.

أنها عادة لا تناسب الفقير أبداً كما وصفها خالد (43) عام فهي تكلفه مالا طاقة له به من الأموال وقد يكون عليه من الديون ما يرهقه وغالباً ما يكون المتوفي الذي هو من أسرة فقيرة قد استدان أموالاً من الأخرين خلال فترة حياته وعلى ذويه أن يؤدو هذه الديون. أيضا إنها عادة سيئة جدا يتمنى الفقير أن لا يلتزم بها المجتمع في الوقت الذي يتباهى الغني بإطعام الآخرين.
هذه العادة غير موجودة في بلدتي على حد قول ابتسام (38) عام من بلدة المزرة متزوجة وتسكن في بلدة البارة. أنهم يتكلفون الكثير من الأموال ويتفاخرون فيما بينهم بما يقدمونه للناس.
كعقيدة ودين حسب قول محمد موسى المندو (44) عام: “المقرية حرام، إذ لم تكن على زمان الرسول (ص) ولم يعمل بها هو أو صحبه الكرام (أنها بدعة دينية) أنه عمل خير يتظاهرون به ولو أنهم أنفقوا الأموال لعائلات فقيرة لكفتهم أياماً وأن كانت قليلة لكان لهم ثواب أكبر.
أنها عادة مستحبة لا تتعارض مع الأديان ولا المذاهب ولا السنة أو القرأن كما يرى كمال اليحيى (53) عام والناس تعمل بها منذ زمن، يجتمع الناس ويقرأون القرأن على روح الميت ويتم الأنفاق على روحه وتجمع الناس فيه تجمع حسن أنها عادة طيبة يستحسنها الناس ويمشون عليها والذي لا يملك القدرة لا يعمل بها.
يرى الشيخ محمد حكمات مدور (45) عام أمام مسجد الشرقي في بلدة البارة: “بالنسبة لأمر المقرية أو الثالث أن هذه العادة التي انتشرت منذ القديم في بلدة البارة ونحن كمشايخ لم نستطع أن ننهي هذه العادة، فالنبي (ص) قال :(اصنعوا لآل جعفر طعاماً فأنهم اليوم مشغولون) يعني ذلك أن أهل العزاء مشغولون بعزائهم وبحزنهم وآلامهم على فقيدهم ونحن نحملهم عبئاً آخر ألا وهو صنع الطعام للناس ودعوة الناس الى الطعام، هناك من الناس من يستطع أن يصنع طعاماً وأن يذبح الذبائح ويقدم الفواكه وغيرها ولكن هناك القسم الأكبر والأعظم من الناس لا يستطيعون القيام بذلك وخصوصاً في هذه الأيام والضائقة المالية التي تؤثر على جميع الناس فهي تسبب إحراجاً للفقراء والمساكين الذين لا يملكون ربما قوة يومهم، فنحملهم عبأً ثقيلا ويستدينون الأموال ليعدّوا طعاماً للناس ومن يأتي لهذا الطعام ..؟ ربما يأتي من هم باستطاعتهم أن يأكلوا اللحم والفواكه من حسابهم الخاص ليس من حساب هذا الفقير ويستطيعون أن يقوموا بهذا الواجب لميتهم دون مشقة، وربما يكون هذا الميت قد ترك أطفالاً أيتاماً وراءه ونحن نأكل من أموال اليتامى ،كيف يكون لرجل غني أن يأكل من طعام يتيم …؟
الذي يجب علينا أن نقدم له الطعام كما يقول تعالى :(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وليس بالضرورة إطعام الطعام على روح الميت في اليوم الثالث بالتحديد، بالإمكان إطعام الطعام والإنفاق على روح الميت بأي وقت دون تحديد اليوم حتى لا نسبب الأحراج للفقراء واليتامى والمحتاجين الذين قد يستدينون الأموال لتأدية هذا الواجب وقد يكون على والدهم ديون يترتب عليهم سدادها، (أنه ليس من الشرع وليس من الدين وليس من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم).