م: psmag

“لم تفارقني يوماً ذكريات الألم والخوف الذين كنت أحتسيهما خلال دراستي الإبتدائية، التي بدأتها في الخامسة من عمري، بإشراف معلم لا يجيد سوى لغة الضرب في أسلوب تدريسه، لطالما توسلت لوالدي باكية كي لا يرسلني إلى المدرسة مرة أخرى، إلا أن مطلبي لم يحقق، فكانت المدرسة بنظري آنذاك عبارة عن تفسير لكلمة “هم” بمعناها الحقيقي، وتبع ذلك تدنٍ في مستواي الدراسي إلى أن يأس أهلي مني”قالت المعلمة ريما بحزن بعد أن تأملت الصف حولها، ريما واحدة من بين كُثر عانوا من تعنيف المعلمين خلال المرحلة الدراسية، إلا أنها تمكنت من تحسين مستواها التعليمي عندما بلغت الثانية عشرة عن طريق الدراسة والجد، وتابعت حتى أصبحت معلمة لغة إنجليزية.

يشكل العنف عائقاً كبيراً أمام الطلاب في بعض المدارس في ريف محافظة إدلب، وتتراوح أنواعة ما بين “الفلقة” أي الضرب على القدمين، والضرب على اليدين باستخدام العصا أو ماشابه، إلى جانب التعنيف اللفظي، عبر تأنيب الطالب بكلمات جارحة، بالإضافة إلى عقوبات كالوقوف بالقرب من سلة النفايات في الصف أو الحبس خلف دفّة النافذة، ناهيك عن عدم إعطائه حقوقه التعليمية من مشاركة ودرجات وما إلى ذلك، إما بالطرد من الصف أو عبر إهماله.

يقول المدرس أبو علي :”لا يقل عدد الطلاب في الصف الواحد عن ثلاثين طالب، وتصل مدة الدرس إلى 40 دقيقة علي أن لا أضيع جزءاً منها، نظرا لضخامة المنهاج، فاعمد إلى تخويفهم بالضرب بهدف ضبطهم، لكن من دون أن أسبب أذية لأي واحد منهم”، ويضيف المعلم أبو محمود وهو ذو خبرة عشر سنوات في مجال التدريس: “لم ألجأ يوما إلى التعنيف أو حتى رفع صوتي في الدرس، بمجرد نظرة بإمكاني أن أنبه الطالب إلى تقصيره أو حتى اجتهاده”، وتكمل المعلمة بيان:”لا يطاوعني قلبي على استعمال العصا، حتى لو ضقت ذرعاً بتقصيرهم أو حتى شغبهم”.

ثقافة “ما بيجي إلا بالعفس”

وتتنوع أراء الأهالي مابين مؤيد للتعنيف، ومعارض له، يقول أبو حسام :”ما بيقصروا هالجيل ما بيجي إلا بالعفس”، وأكد معه أبو حسن :”بيمونوا المعلمين، كتر خيرن عم يتعبوا ع ولادنا بهالظروف الصعبة”، إلا أن أن أبو أحمد لم يوافقهم الرأي لكن بعبارة طريفة:”لو العلم بالضرب، كان الحمار أخذ شهادة الطب”، في حين قالت أم علاء:”لا أسمح لأحد أن يمد يده على إبنى ولو وصل الحال بي إلى أن أبقيه بالبيت”.

بينما تحدث الطلاب عن نتائج سلبية للعنف حدثت معهم، يقول لؤي ذو العشر سنوات:”بكون حفظان الدرس، من بتعيط فيني الأنسة بتبلكم وما بعرف جاوب”، وتسرد ميناس طالبة في المرحلة الثانوية:”ذات يوم سألت معلم الجغرافية سؤال، فصرخ بوجهي غاضباً، لإنه كان قد أجاب عن سؤالي في الدرس الماضي، فشعرت بالحرج أمام زملائي، لذلك ومنذئذ وأنا أكره هذه المادة، ولا أهتم بها”. أما علاء ومحمد من المرحلة الإعدادية فقد اعتادا الهرب قبل البدء بحصة الإجتماعيات، بسبب إهانات معلم تلك المادة وصعوبة سلوكه،في حين تؤكد رولا أن ما يفعله المعلم سواء ما يحب الطالب أو يكره، يصب في مصلحته. إلا أنه انتشرت بالفترة الأخيرة عبر وسائل التواصل الإجتماعي قصة لطفل من جسر الشغور، تعرض للضرب على خده بالعصا من قبل المعلم، وتلاها قصة طفلة من قرية اللطامنة ضربت بالعصا على يديها أكثر من عشرين مرة، مما أثار الغضب لدى كثير من الناس، وسبق تلك الحادثتين تناقل فيديوهات عبر “السوشيال ميديا” لطلاب يعنفون حتى أصبح ذلك أمراً متكرراً ما بين الفينة والأخرى.

وحذرت المستشارة النفسية نورا الصبيح من آثارٍ سلبية ناجمة عن التعنيف مثل القلق والتوتر إلى جانب الميل إلى الانعزالية وتوّلد حالات الإكتئاب، إضافة للخوف من المدرسة، كذلك انعدام المشاركة بالدروس والغياب المتكرر عنها نتيجة ضعف الرغبة بالتعلم لديه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي، حتى يصل به الحال إلى رفضها والاتجاه للعمل في سن مبكرة. وربما يتجه لسلوكياتٍ خاطئة كالسرقة أو الجريمة وما شابه. وقالت :”ممارسة العنف أمام الطالب تخلق سلوكاً عدوانياً لديه، خصوصا أنه لا يزال في سن صغيرة، يشكّل ما حوله عوامل تؤثر في سلوكه وشخصيته”.

وتعد مديرية التربية والتعليم في المناطق الإدارية لمحافظة إدلب هي المسؤولة عن المدارس، أي الجهة التي تدير العملية التعليمية بالشكل الكامل في المناطق المحررة، وتمنع تلك الجهة استعمال العنف بكافة أنواعه، وحول ذلك يقول معاون وزير التربية الحرة حسن الشوّا :”يوجد ضمن اللوائح التنظيمية ما يمنع استعمال العنف ويعاقب مرتكبها بمراحل محددة بعد متابعة الرقابة للموضوع،إذ يوجد رقابة داخلية من شأنها أن تتابع مع الموجهين التقارير الواردة المتعلقة بالمدارس”، وأضاف :”ففي حال وردت إلى الرقابة شكوى على أحد المدرسين التابعين لنا من المدرسة نفسها أو من الأهالي وكذلك عبر وسائل التواصل الإجتماعي، بأنه قد سبب أذية لطالب أو أنه لا يؤدي واجبه بالشكل المفروض، نطلب تقريراً طبياً موثقاً من مديرية الصحة للتأكد، أو نستعين بتقرير المدرسة، ثم نتعامل مع الموضوع، وأضاف:”نعمل الآن على تفعيل صندوق الشكاوى من خلال منحة المشاريع الصغيرة، التي تنفّذ حالياً”.

لكن في المناطق المحررة هناك بعض المعلمين ممن لا يتبعون لمديرية التربية الحرة، ويتقاضون رواتبهم من مديرية التربية والتعليم في مدينة حماة التابعة للنظام السوري، ويصل عددهم إلى 12 ألف موظف، حسب ماذكر أبو محمد وهو واحد منهم، ويقول :”في حال تم تعنيف الطالب من قبل أحد معلمي النظام، وأراد الأهالي مقاضاته، فعليهم السفر إلى حماة، ورفع شكوى عليه في الرقابة، التي بدورها تحيلها للطبابة المدرسية التي تتأكد من الموضوع طبياً، ثم إلى الدائرة القانونية، فالقضاء الذي يصدر حكماً بحقه، وتفرض الرقابة أيضا عقوباتٍ تبدأ بالتنبيه أو الإنذار، وإذا تكرر ذلك يخصم من راتبه، وأحيانا تصل العقوبة للفصل أي الحرمان من وظيفته”.

بيد أن بعض الناس لا يملكون القدرة على الذهاب إلى حماة، بسبب الخوف من الاعتقال، لسيطرة النظام عليها، كذلك يصل مبلغ الذهاب مع الإياب إلى 30 ألف ل.س، غير أن جيش النظام السوري يقوم بإغلاق الطريق بين الفينة والأخرى، فيعمد البعض للجوء إلى الشرطة الحرة في حال وجود مخفر قريب عليهم، يقول أبو محمد أحد رجال الشرطة الحرة:”إذا أثبت الأهالي أن المعلم سبب أذية جسدية للطالب بتقرير طبي، نفتح ضبط بالشكوى، ثم يعرض على المحكمة، فيتم تشكيل لجنة تقدر الضرر وتكاليف العلاج، ليدفعها المعلم، إلى جانب سجنه حتى يسقط ولي الطالب حقه الشخصي”.

في حين تقام دورات تدريبية تساعد المدرسين على استخدام أنشطة يستعملها أثناء التعليم، مما يرغّب الطالب بالتعلّم ويضيف جواً من السعادة على الدروس، كذلك يتم تقديم معلومات حول التعامل الأمثل مع الطفل، بالإضافة لتوزيع بروشورات حول العنف ضد الطفل وكيفية الامتناع عنه، ومن تلك المنظمات غراس ومرام بالإضافة لمركز I am human، ومركز نقطة بداية وغيرها من المنظمات والمراكز الإنسانية الموزعة في كثير مناطق الشمال السوري، والتي تقدم خدمات دعم نفسي ومادي للطفل.

وتكمل ريما مشوارها التعليمي الذي بدأ منذ فترة قريبة، محاولة بأقصى جهدها أن تعامل الطلاب كأخت، وتؤدي واجبها الإنساني على أكمل وجه دون المضي على طريق المعلم الذي كان يعنفها سابقاً، وتقول في هذا السياق:”أتمنى ألا يمر أي طالب بالحالة التي مررت بها في صغري”.