ت: سيرين مصطفى

“لم أتخيل أنه سيطلب مني أن أتعرى أمامه” قالت ديانا بصوت مخنوق وهي تخبأ وجهها بكلتي يديها، كانت تسرد حكايتها مع الدجال الذي نصحت بالاستعانة به من قبل جاراتها، لحل مشكلتها مع العقم إثر تهديد زوجها بالزواج من إمرأة أخرى، وقبل أن تذهب كان جلَّ همها ألا يطلب مبلغاً كبيراً من المال، إلا أنه طلب أمراً آخر لم تتوقعه مطلقاً، فضربته ثم خرجت من المكان، لتركض في الشارع بشكل هستيري، مثيرةً التعجب في قلوب المارين.

ليست ديانا الوحيدة التي تعرضت لمثل ذلك الخداع، فكثير من السيدات السوريات قدر لهن نتيجة الظروف الصعبة الوقوع في شراك خداع الدجالين، إذ أنَّ اللجوءَ إليهم ظاهرةٌ لم تغب عن مناطق الشمال السوري، بالرغم من صرامة القوانين المفروضة من قبل محاكم القضاء الموجودة في تلك المناطق، وعقوبة من ثبتت عليه تهمة التورط في ذلك العمل هي القتل.

يقول القاضي أبو خالد في سياق العقوبة ” جزاء الساحر هو القتل، أو ربما ينظر القاضي في أمره فيعرض عليه الاستتابة إذ لم يستتَب من قبل، أي يمنحه فرصة لبداية جديدة، لكن بشرط ألا يعود لفعله مرة ثانية، ولا يثبت عليه الجرم إلا في حال توافر شهادة شخصين ذهبوا مسبقا إليه، أو مقطع فيديو، أو أداة السحر نفسها مثل طلاسم، وتعويذات، أو سحر مكتوب”.

(أ.ص) هو أحد من زاولوا المهنة سابقاً، إلا أنه تركها خوفاً على حياته، أخبر عيني عينك عن أسباب لجوء بعض النسوة للدجالين، فقال “أكثر قاصدي السحرة هم من النساء، وذلك بسبب مشاكل العنوسة والعقم والطلاق وغيرها. بينما يلجأ الرجال في حال تعرضوا لسرقة أو اختطف أحد ذويهم”. وأكمل شارحاً كيفية تعامل من يمتهنون الدجل مع زبائنهم: “تتنوع طلبات الدجالين في سبيل خداع الزبون ما بين عين ذئب أو سن أرنب أو دم حيض أو ذنب كلب أو جلد خفاش وغير ذلك من المطالب التي لا تقدم ولا تؤخر، فما هي إلا وسائل توهمه بأن مطلبه سيُلبى بنجاح”.

يلجأ الدجالون إلى تلك الطلبات الغريبة و الوهمية لإضفاء حالة من الغيبيات على عملهم، ويتخلل تلك الطلبات جلسات البخور، لخلق جو من السحر الذي استخدم على مر العصور. ويميلون إلى وضع أشياء غريبة في منازلهم، مثل عظام أو رؤوس خواريف مقطوعة أو أي شيء يثير الرهبة في قلوب من يستعين بهم. تقول ديانا :”كان المشعوذ الذي لجأت إليه ذا عيون مخيفة، و يعيش في منزل بعيد محاط بالأشجار الكثيفة، حيث لا منازل مجاورة حوله. ما إن دخلته اشتعل في قلبي الخوف، بسبب الظلام الذي عمَّ المكان، إضافة للأشياء الغريبة التي ملأت غرفته”.

تنقسم أغراض المشعوذين إلى جسدية ومادية. ففي الوقت التي صفعت ديانا المشعوذ ثم فرت من بيته بسبب طلبه الوقح، هناك ضحية أخرى تدعى هناء، رضخت لطلب الدخول في علاقة جنسية مع مشعوذ آخر، بعد أن غدا ذلك السبيل الوحيد لحل مشكلتها المستعصية، إلا أنه بعد أشبع رغبته حظرها من إمكانية التواصل معه، لتتمسك بالصمت خشية الفضيحة التي إذا تم كشفها ستؤدي إلى قتلها.

أما ريما فكانت خسارتها أقل نوعاً ما، إذ أن تلك المرأة التي تجاوزت عمر الأربعين لجأت إلى أحد السحرة متأملة من ذلك الحصول على زوج، فكلفها ذلك مالاً كثيراً نتيجة ترددها عليه مراراً مع إنفاق الأموال في كل مرة، لتتوج كل تلك المحاولات بالفشل، مصنفة ريما تحت إطار ضحايا السحرة.

بينما ساق الفضول أبو محمد الذي تألم لموقف أحد ضحايا مشعوذ في قريته، عرف عنه بأنه يفعل العجائب من خلال السحر، فانطلق إليه بنية كشفه على حقيقته. يحكي أبو محمد :”زرته، فكانت حيلتي على شكل قصة، مفادها أن هناك عجوزاً من قريباتي، لا تنام الليل ممضيةً إياه بالصراخ غير المعروف سببه، بعد أن أنتهيت من السرد، طلب مني الساحر إسم العجوز إضافة لذكر اسم أمها، فأعطيته اسم جدتي الراحلة منذ أكثر من عشرين عام، فقال لي “رايح أضربلك بالمندل”، ثم عاد إلي ليخبرني بشيء، لم أسمع به حتى بالأفلام الهندية، إذا قال:”هالعجوز راكبها 12 جني، لازم شوفا ضروري لحل مشكلتها”، فأجبته بعد أن ابتلعت موجة من الغضب كانت أهلاً لتحطيم رأسه لو إنبثقت بـ :”الله يجمعك فيها عن قريب”.

ويرى أبو أحمد (أحد المتطوعين في المجالس المحلية) تعليقاً على ظاهرة اللجوء إلى الدجالين أنَّ حملات التوعية حل موفق لعلاجها، بالإضافة لتشجيع الناس على إبلاغ الجهات الأمنية في حال تعرضوا لمثل تلك المواقف من الإحتيال. إلى جانب التنسيق مع علماء الدين لتوعية الناس من جانب ديني.

وتحرمُ كلُ الأديان السماوية الشعوذة، بالأخص الإسلامية فحسب ما ذُكر عن الرسول محمد :”من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد”، أي بمعنى أنَّ ذلك من المحظورات شرعياً، وكذلك المسيحية فورد في الكتاب المقدس :”لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم. لايوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا من يعرف عرّافه ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر، ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانا أو تابعاً، ولا من يستشير الموتى، لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب”، ومع ذلك يوجد من يلجأ إلى الدجالين، في حين تتضافر الجهود على جميع الأصعدة المجتمعية والعلمية والشخصية وغيرها لتضع حد لتلك الظاهرة. ويأمل المجتمع بنجاح ذلك.