Source: The New York times

تنهمر الدّموع من عيون الطفلة “هدى” ذات الثّمانِ سنوات، بسبب جرح أصاب يدها خلال قطفها لثمار القبّار في الوادي، فتقول لها صديقتها:” لا تنسَي.. لازم تجمعي حق الشنتاية والكتب قبل ما تفتح المدرسة “، فتمسح الدّم وتعود للعمل من الجديد، وَتتحدثان عن أختها فرح، التي غيبها المرض عن القدوم معهما، بينما يسرح أخوها فادي بأغنامه بالقرب من المكان ليجمع بين إطعام أغنامه وحراسة الفتاتين في نفس الوقت، وبعد أن يحل المساء تذهبان لبيع ثمار القبّار المقطوفة خلال النهار، فترى هدى ابن عمها الصغير أحمد عائداً من محل تصليح السيارات والشحم يملأ ملابسه بصحبة زهير أخوه الذي يتعلم مصلحة النّجارة في محلٍ قريبٍ منه.

ثم بعد أن يغتسل الجميع ويتناولون طعامهم، يجتمعون في ساحة الحارة، ليشكو كلّ واحدٍ منهم معاناته في عمله، فتقول هدى” لما كنت أقطف بويضة كنت مبسوطة كتير، بس هلق الشفلح كلو شوك… فيردُّ أحمد: (عَ الأقل أحسن ما تضلّي تحت السيارات كل النهار) ويكمل الحوار على هذا المنوال….

غدا عمل الأطفال ما بين الست سنوات إلى الرابعةَ عشْرةَ أمراً عادياً في المناطق المحرّرة أي الخارجة عن سيطرة النظام السوري، نظرًا لما فرضته الحرب من ظروف قاسية عليها، مثل الغلاء وضعف المدخول المادي إضافة لفقدان بعض العائلات معيلها، ناهيك عن حركة النزوح بسبب القصف المتكرر عليها، إلى جانب عدم وجود قوانين أو غرامات تمنع هذه الظاهرة، مما دفع بعض الأطفال للانخراط في ميدان العمل على اختلاف أشكاله سواء عمارة أو حدادة أونجارة، وغيرها من المهن و حتى الانضمام إلى الفصائل العسكريّة.

وفي لقائنا مع والد الطفل” أحمد” أكد أنّه من الأفضل لابنه أن يعمل بحيث يعتاد على تحمل المصاعب في مراحل مبكرة، ويرى أن المدرسة غير مجدية لابنه، بالأخص بعد خسارة عمله بسبب خروج المنطقة عن سيطرة النظام، وحاول عقب ذلك البحث عن وظيفة لكن دون جدوى، ويقول: ” في مثل هذا الوضع الأفضل للأولاد أن يتعلموا صنعة، بدلًا عن الدراسة، لأن الحِرفة لا تحتاج وقت طويل أو تكاليف”، ويضيف ” : المدارس مرصودة من قبل الطيران، أي خطيرة، عدا أن الطريق لنيل الشهادات الدراسية طويل ويتطلب صبرًا ومالًا كثيرين، ونحن الآن لم نعد نفكّر سوى كيف سنتمكن من تدبير يومنا الحالي”.

وتسرد أم عدنان: ” توفي زوجي بضربة طائرة، فوضعت مسؤولية المنزل على عاتق ابني عدنان، مع أنه لايزال في الصف العاشر، فترك دراسته، ثم التحق بالفصائل من أجل أن يحصل على راتب شهري”، تكمل أم عدنان بصوت حزين يكتم في طياته موجة من البكاء :” عندما يكون لديه نوبة رباط، يعود إليّ والطين قد ملأ ملابسه، مما يحرق قلبي عليه، لكن لا يوجد حيلة أخرى”.

بينما تحكي أمّ كمال :” ما يجنيه زوجي من محل السمانة لا يكفي لسد حاجات البيت، فوضعنا ابني في محل خياطة، عَلّه يساعد والده في نفقات البيت”.

كما تقول أم سعيد التي تركت قريتها منذ سنتين بسبب القصف: ” وقع برميل على منزلنا، فتهدّم، مما أجبرنا على النزوح، لتتضاعف النفقات علينا، من آ أجار المنزل وغيرها إضافة للاحتياجات اليومية، فاضطررتُ لدفع أولادي إلى العمل، في سبيل الحصول على حياة مستقرة دون أن نمدّ يدنا للناس”.

إلا أنّ عمالة الأطفال تعتبر من انتهاكات حقوق الطفل بموجب نص ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1989. لكن تمنع المحاكم الشرعية والسلطات المحلية ذلك، يقول الملازم عبد الرحمن البيوش ” الشرطة الحرة لا تستطيع أن تعمل شيء بهذا الخصوص بسبب سوء الأوضاع المعيشية لكثير من المواطنين”، وأشار إلى أن الشرطة الحرة لا تملك فرص عمل أو موارد ماليّة تستطيع أن تعوض الأُسر التي بدون معيل، فيقتصر نشاطهم على توعية الأخوة المواطنين إلى ضرورة الاهتمام بأطفالهم من خلال حملات توعوية إضافة للتواصل مع مراكز دعم الطفل والتنسيق معهم لإيجاد حلول لمثل هذه الظاهرة.

لكن أحياناً كانت الدورات التوعوية لم تكن مجدية مع البعض، بسبب سوء الوضع المادي لهم، وذلك ما أكده خالد الأحمد أحد المتطوعين لتوعية الناس بخصوص هذا الموضوع، ويقول: ” بعض الناس استجابت من خلال الجلسات وقامت بإعادة أولادها إلى المدرسة، في حين بعض الناس رفضوا حتى الإستماع لنا، مبررين ذلك بأنهم هم الأعلم بمصلحة أولادهم. ويكمل :” وقدمنا لبعض العائلات حقيبة تدريب مهني، لتمكن الأب أو الأم من تعلمِ حرفةٍ ما, يكسبون منها لقمة العيش، وكانت طريقة كفيلة لتقنعهم بإعادة أولادهم إلى المدرسة والابتعاد عن العمل المجهد “. ويسرد الأحمد :” أحيانا كنا نواجه مشاكل مع الأطفال أنفسهم، إذ سيطرت عليهم فكرة أنهم رجال، ومطالبين بالعمل، إضافة للسلوك العدواني الناتج عن قسوة العمل وثقل المسؤولية، فكنا نتبع معهم الأنشطة التدريبية والتعليمية لدعمهم نفسياً”.

وفي لقائنا مع” ليال حسن” الناشطة المجتمعية أشارت إلى أن عمل الطفل في سن مبكرة يسبب له اضطرابات نفسية مثل الشعور بالقلق والتوتر بالإضافة إلى الخوف، وتقول:” الأطفال ليس لديهم القدرة على فهم ما يجري حولهم بصورة دقيقة ولا يجب أن نتوقع منهم أن يتحلوا بالمرونة التي يمتلكها البالغون نتيجة خبراتهم.. كما أن ضغط المسؤوليات المبكرة ونوعية الأعمال التي يقومون بها ونوعية القائمين على تلك المهن لا تضمن على الإطلاق حصول الطفل على النوع المناسب من الحياة المعززة بمهارات تلائم احتياجاته.. فضلاً عن حلول العمل محل التعليم ما يحرم الطفل من تواجده مع أقرانه وحصوله على المعرفة الضرورية لبناء حياته.

علاوة على ذلك الأمراض والمخاطر الجسدية، مثل الحدادة تضر العيون، والبناء يتطلب جهد وحركة، إلى جانب الزراعة التي تؤثر على صحة الرئتين نتيجة التراب والغبار في الأرض، بالإضافة إلى رضوض وألم في العظام نتيجة حمل الأغراض الثقيلة. وغيرها من الأضرار، لكن بحسب نوع المهنة.

وتبذل المنظمات جهودها في التعامل مع هذه المشكلة مثل اليونيسيف SAVE THE CHILDREN إلى جانب تقديم بعض منظمات الداخل الدعم المادي أو المعنوي للأطفال وذلك حسب الإمكانيات أو الدعم المتوافر كفريق ملهم التطوعي و منظمة إحسان إضافة إلى الأوسوم وغيرهم من المنظمات الإنسانية. ومن بعض المشاريع المقدمة روضة صديق الطفل الموجودة في قباسين التي تؤمن مساحة أمنة للطفل وتزوده بخدمات توعية وحماية وتنمية مهارات وترفيه، علاوة على ذلك نشاطات مقدمة من شبكة حراس.

عيني عينك أجرت لقاء مع مدير المنطقة الشمالية لشبكة حراس أحمد عرفات، الذي أشار إلى أنه يتم تقديم ضمن مكاتبهم خدمة إدارة الحالة المستفيد المباشر وهو الطفل، و توضع خطة مناسبة له بعد تسجيله في الملفات، كما يعثرون على حالات عمالة استغلالية إمّا عن فرق الرصد بحراس أو عن طريق المساحات الصديقة التابعة لها، والموزعة في مناطق إدلب وحلب، وكذلك عن طريق لجان حماية الطفل الشريكة مع حراس ليتم إحالتهم فيما بعد لأحد المكاتب. ويقول:” طرق إدارة الموضوع تكون عن طريق تأمين عمل مناسب لصاحب الرعاية وإلحاق الطفل ضمن خدمة التعليم المسرع وهي خدمة تقدم في المكاتب للأطفال المنقطعين عن التعليم ليستطيع في ما بعد الالتحاق بالمدرسة من جديد، بالإضافة إلى تقديم القرطاسية واللباس له”.

بعد أن شفيت فرح مباشرة، عادت لمرافقة أختها وصديقتها في الذهاب لقطف ثمار الشفلح النابت في الأراضي الزراعية تحت أشعة الشمس الحارة, ليكون التفاؤل والأمل بغد أفضل ما يُعَطّرُ حديثَ الألسنة، و يرسم البسمة على تلك الوجوه البريئة، ذلك المستقبل الذي سيأتي حاملاً أياماً خالية من المشقة.