ت: إيمان داراني

“مكتوم القيد” مصطلح إداري عُرف في عام 1962، يشير إلى أن المواطن الكردي المعني غير مقيد في السجلات المدنية، ولا يمكن تسجيله، ولكن ومنذ 2012 توسعت مشكلة” مكتومي القيد” لتشمل الآلاف من السوريين وأطفالهم داخل سورية وخارجها، التي حالت الحرب وما نتج عنها دون تسجيلهم في السجلات المدنية.

سارة التي تبلغ من العمر 20 عاماً من الغوطة الغربية لدمشق، تزوجت أثناء حصار داريا بعقد( براني) أو (كتاب شيخ)، و أنجبت ابنتها بعد عام، من زواجها، ثم قتل زوجها عندما كانت طفلتهما في شهرها الثامن.
من المعروف أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا يمنع رجال الدين من إبرام عقود الزواج خارج أروقة المحكمة الشرعية، لكن وقبل الحرب كان الكثير من السوريين يعقدون عقد الزواج بالطريقة التقليدية وهو ما يسمى بـ “كتاب شيخ” الذي يتبعه تثبيت الزواج في المحكمة الشرعية في أغلب الأحيان، ولم يكن هناك من صعوبات في تثبيته، إلا أنه وفي سنوات الحرب الأخيرة، واجهت السوريين في المناطق المحاصرة خاصة والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة صعوبات عدة في تثبيت الزواج قانونياً، ما جعلهم يكتفون بالعقود الشرعية التي يبرمها أحد رجال الدين، وتسجيلها في هيئات ومحاكم شرعية موجودة داخل تلك المناطق فقط،

السيد” أبو عماد “من داريا كان قد وكّل من قبل المجلس المحلي للمدينة أثناء الحصار بإجراء عقود الزواج يقول :”لم يكن لدينا اي خيار آخر لضمان حقوق الزوجة وإثبات نسب المواليد في المستقبل”.
وحتى اليوم هنا في الشمال ما يزال السيد “أبو عماد” في عمله السابق وهو توثيق عقود الزواج في السجل المدني التابع لمناطق المعارضة ولكن تكمن المشكلة كما يقول “في عدم الاعتراف بهيئة او محكمة والوثائق الصادرة عنها في مناطق المعارضة في أي مكان في العالم”

و مع اشتداد وطأة المعارك في مختلف أنحاء البلاد، وما رافقها من نزوحٍ وحالات وفاة وغياب الشهود وضياع للأوراق الرسمية، أو عدم وجودها أصلاً، وجدت آلاف النساء أنفسهن وحيدات مع أطفال دون قيود رسمية، وبالتالي دون القدرة على الحصول على أدنى الحقوق والخدمات.

الأمم المتحدة، وفي تقريرها الصادر بشأن الاحتياجات الإنسانية للعام 2017، أشارت إلى أن 81% من المناطق التي شملها التقرير، تعاني من مشكلة فقدان الوثائق المدنية، مما “يفاقم من مخاطر الحماية ويحد من حرية التنقل والحصول على الخدمات وسبل العيش”، كما يذكر التقرير.
لم يكن يشغل سارة بعد مقتل زوجها إلا ابنتها، وكيف ستربيها بعد فقدها لزوجها، كانت تمضي الكثير من وقتها بالبكاء على حبيبها الذي آثرت البقاء معه رغم شدة القصف، حتى انتهت أيام الحصار بالتهجير، وارتحلت إلى بيت أهلها في مناطق سيطرة النظام، وبعد أقل من شهر علمت عن طريق المصادفة أن ابنتها ستسجل في قيد جدها على أنّها ابنته، و علمت أن عائلة زوجها تنوي السفر بالصغيرة إلى تركيا.
وبدأت بذلك معناتها من أجل تثبيت عقد زواجها وتسجيل الطفلة في سجل والدها، فأهل الزوج لا يعترفون بها وبطفلتها أمام المحكمة وهذا ما فاقم الأمر سوءاً.
تنص المادة 28 من الفصل الرابع من قانون الأحوال المدنية السوري، الصادر عام 2007 على تسجيل الزواج كشرط لتسجيل ولد مولود من زواج غير مسجل.
ففي حال امتنع الزوج عن ثبيت زواجه، يمكن للزوجة التقدم بدعوى تثبيت زواج للمحكمة الشرعية مرفقة بعقد الزواج العرفي وبتقرير طبي يثبت الحمل .

لذلك تلجأ الكثيرات لرفع دعوى تثبيت زواج أمام القاضي الشرعي بحجة حصول زواج غير مسجل، مع ادعاء بوجود حمل، الأمر الذي يدفع القاضي للحكم بتثبيت الزواج حتى و إن كان الزوج غائباً، بوجود موكل عن الزوج بعد شراء تقرير طبي يثبت الحمل في حال عدم وجوده.
لكن في حال عدم وجود موكل عن الزوج وفي حالات أخرى أيضا، يحصل الشاب السوري اللاجئ او المهجر على عقد نظامي من المحكمة لقاء مبلغ مالي 250 ألف ليرة كحد أدنى للمحامي،
الشاب حارثة 25 عام متخلف عن الخدمة، لاجئ في تركيا، متزوج ب”كتاب شيخ ” وله و لد يقول:” قام المحامي بشراء موافقة زواج من شعبة التجنيد (فهي شرط أساسي لتثبيت العقد ) و تكفل ايضا بإتمام الأوراق الأخرى عن طريق دفع الرشاوي، ليصلني دفتر العائلة بعد قرابة الثمانية أشهر “.
ومع تزايد أعداد المطلوبين الفارين في مناطق سيطرة المعارضة او في البلدان المجاورة التي لا يمكن إحصاؤها، يزداد الابتزاز والسرقة من قبل سماسرة ومحامين في مناطق النظام، وليس الأمر حصرياً في عقود الزواج فأي معاملة لمطلوب “يدفع وزن اوراقها ذهباً” وفقاً للمقولة الشعبية، كما تحدث إلي السيد “حاتم” 40 عاما من مهجري الغوطة ” اضطررت لدفع مبلغ 500$ لتسجيل ابنتي في السجل المدني عند النظام ليتثنى لي استصدار جواز سفر لها فقط لأني مطلوب “( مع أن عقد زواجه مثبت في المحكمة قبل أحداث سورية ).

لكن هناك من لا يمكن تثبت عقدها وتسجيل أولادها أصلاً في السجلات المدنية، وهي الظاهرة الأخطر التي تهدد مستقبل المتزوجات من الأجانب الأوزبك والتركستان في الشمال السوري ومناطق المعارضة، إذ يقومون بتثبيت زواجهم في عقود تابعة لفصيلهم الذي ينتمون إليه والتي يغيب الاسم الصريح للزوج وجنسيته الحقيقية، فغالبيتهم يسمون بأسماء مستعارة.
تحدثني السيدة” شذا” من مدينة سرمدا في الشمال السوري والتي تعمل مخبرية في المدينة “تأتي إحداهن إلى المخبر وأسألها عن اسم زوجها عند ملئ استمارتها، فتقول أبو فلان الفرنسي مثلاً ولعلها هي لا تعرف النسب الحقيقي له، وقد سألت الكثيرات ممن تزوجن بأجانب عن عائلة الزوج وكان الجواب لا أعرف شيئا عنهم ولم أتواصل مع أحد منهم”
هذا الأمر يخلق مشاكل مستقبلية بضياع نسب الأطفال وغياب حقوق الزوجات، خصوصاً أن الكثير من هؤلاء المقاتلين ينتقلون لمناطق أخرى بسوريا، أو يقتلون أثناء المعارك، وفي هذه الحالة لا يمكن للزوجة تثبيت العقد حتى مع دفع مبلغ مالي كبير.
.لا يقتصر الابتزاز على معاملات السجلات المدنية فأي ثبوتية يريد السوري استصدارها من أي مؤسسة او وزارة أو إبرام عقد بيع أو شراء “فعليه بإجراء وكالة مصدقة من نقابة المحامين او من الكاتب بالعدل النظامي في السفارة السورية” كما أخبرني المحامي “محمد اللحام” من غوطة دمشق في مكالمة هاتفية،
ومع عدم قدرة المطلوبين في مناطق المعارضة لإجراء الوكالات، (لان أي معاملة بحاجة لموافقة أمنية) فيلتجئ المضطر منهم للالتفاف على القانون عن طريق محامين وضباط في الجيش وبمبالغ كبيرة.
السيدة عائشة 40 عاما من مهجري غوطة دمشق، لم تستطع السفر إلى تركيا من أجل إجراءات الوكالة فاضطرت للتواصل مع سمسار يتعامل مع ضابط بالجيش لاستخراج شهادتها الجامعية من جامعة دمشق وبمبلغ 300$:”طلب مني دفع نصفه فورا والنصف الآخر قبل استلام الشهادة ”
لذلك تجد أعدادا كبيرة في مناطق المعارضة ممن يكتفون بأوراق ثبوتية مستصدرة من المجالس المحلية في المنطقة أو الجهة التابعين لها،
السيدة “رقية” والبالغة من العمر 20 عاما، من مهجري الغوطة في الشمال السوري، تحمل هوية شخصية وعقد زواج ودفتر عائلة من السجل المدني لمهجري داريا، وشهادة الثانوية العامة من الائتلاف الوطني، وتستعد لدخول جامعة إدلب، وقد اكتفت بهذه الثبوتيات لأنها لا تملك المبالغ الباهظة للسماسرة والمحامين، و تقول “هذه الثبوتيات معترف بها في الشمال، ولست الآن بحاجة للسفر، وحتى مولودي الذي أنتظره سأسجله في السجل المدني هنا حتى إشعار آخر ”
لم تكن سارة هي الوحيدة في السنوات الأخيرة فقد تعدد أشكال جحود حق الزوجة بعد وفاة الزوج من إرث ومهر ومصروف لها ولأولادها، ولكن أشدها ألم هو ما بدأ يزداد في الآونة الأخيرة وهو تسجيل المواليد بقيد الجد او العم بحجة تكاليف تثبيت العقد كما في كثير من الزيجات التي انتهت بالطلاق او موت الزوج، وهي الحالات الأكثر في السنوات السبع الأخيرة، حيث تعج أروقة القصر العدلي في دمشق بهكذا حالات، كما روت السيدة” سارة ”
ومن الضروري هنا ذكر معناة المهجرين والنازحين وخاصة المطلوبين، في استصدار جوزات سفر تتيح لهم حرية العيش في بلد آخر، حيث أصبح جواز السفر حلم للمهجر واللاجئ وباب رزق للسماسرة و مؤسسات النظام وضباط جيشه، حيث تشارك الجميع في الغنيمة فالنظام حدد تكلفة جواز السفر لمن هو خارج سوريا ب 400$ لغير المستعجل او800$ للمستعجل مع صلاحيته فقط لعامين وهي تعد أكبر تكلفة جواز سفر في العالم
و لا يتوقف الابتزاز بهذا المبلغ فقط، فموعد الدخول إلى القنصلية السورية في اسطنبول ب 300$ ويحتاج صاحب الجواز لموعدين لإتمام معاملة الجواز مما شكل عبئ مالي كبير على اللاجئين، وعدم استطاعة الكثيرين من استصدار جوزات سفر، مع أن الكثير منهم لا يملك حتى بطاقة شخصية كما تحدثت السيدة “سمية” 22 عام وهي لاجئة في تركيا.
أما لمن هو في مناطق المعارضة فالأمر أكثر تعقيدا وتكلفة، فقد تصل تكلفة الجواز 2000$
300$ للهجرة والجوزات في مناطق النظام، والباقي للسمسار الذي يدفع بدوره معظمها رشاوي لضباط في الجيش السوري، السيد” احمد ” من مهجري الغوطة تواصل مع احد معقبي المعاملات يدعى السيد” عبد”، يعمل باستصدار جوزات سفر للاجئين والنازحين من الهجرة والجوازات في مدينة دمشق،: “طلب مني مبلغ 2000$ (بحجة أن الأمر معقد لأني مطلوب للنظام )على أن يتسلم نصفه فوراً والنصف الآخر بعد استصدار الجواز وقبل ان استلمه من الواسطة، لكني لا أملك هذا المبلغ ولم استطع استصدار جواز سفر إلى الأن، مع أنني لا أملك أي وثيقة تثبت هويتي بعد تعرض منزلي في داريا للقصف “.
سارة والسيد حاتم استطاعوا استصدار ثبوتيات لأطفالهم رغم الصعوبات، لكن آلاف السوريين في مخيمات اللجوء و مناطق المعارضة ينتظرون من الثورة ومن منظمات حقوق الإنسان، أدنى حقوقهم كبشر سوريين وهو إثبات هويتهم وهوية أطفالهم فهل ستأتي الأيام القادمة بحل لهم؟