S: Polygon

“تجاهلتُ رسائله الملأى بكلماتٍ خارجة، والمرافقة لصور فتيات عاريات مع تعليقٍ منه:”هيك بحب جسم الأنثى يكون”، واضطررت للصبر على هذه الحال بسبب حاجتي الماسة للعمل، فحاول الاعتداء علي، إثر فشل مبادراته الودية لإقناعي بالخضوع لرغبته، مستغلاً خلو الشركة من العاملين”. ذلك ما قالته فاتن بصوت مخنوق، وهي تسرد قصة معاناتها مع التحرّش الذي تعرضت له في أغلب مؤسسات الشمال السوري التي عملت بها، حتى انتهى بها المطاف بترك العمل فترة طويلة من الزمن نتيجة محاولة مدير الشركة الاعتداء عليها.

يعيق التحرش بعض الإناث في الشمال السوري عن خوضهنَّ ميدان العمل بشكل طبيعي، وييتخذ إما شكل كلمات مباشرة ذات معانٍ بذيئة ، أو عبر التحديق والملاحقة والتتبع، وأحيانا بالتواصل بطريقة غير مريحة بالنسبة للفتاة وذلك بتعبيرات الوجه الموحية؛ ناهيك عن التحرش الجنسي المباشر باللمس أو الاعتداء، أو التحرش الإلكتروني عبر المكالمات والرسائل النصية.

كيف يتعامل المجتمع مع هذه الحالات؟
طبيعة المجتمعات في معظم هذه المناطق محافظة، وغالباً ما يتم نبذ المتحرش في حال كشفه، وقد يُفصل من وظيفته، وهناك احتمال أن تقوم المحاكم الشرعية بفرضها عليه أقسى العقوبات في حال وصلت هذه الحالات إليها، وذلك ما أشار له أبو علي أحد العاملين في المحاكم الشرعية أثناء حوارنا معه، قائلا:”في حال توافر شهادة أكثر من امرأتين تعرضا للتحرش من نفس الشخص، فإن التهمة تثبت عليه ويتعرض إما للسجن أو الجلد”. و بالنسبة لفترة السجن تُحدد مدتها بحسب نوع التحرش. وأكمل :” لكن في حال قدمت أحد النساء دليل قاطع يحمل رسائل إلكترونية أو تسجيلات صوت واردة من طرف المتحرش بكلمات تتنافى مع الأخلاق، فإن ذلك يغنينا عن التمسك بشهادة أكثر من شخص”. إلا أن أبو علي ذكر أنه نادراً ما ترد مشكلة تتعلق بالتحرش إلى المحكمة.

أنتِ المذنبة!
ويعود سبب ذلك إلى أن أغلب النساء يفضلن الصمت عن الإفصاح بالمشكلة خشية الوصمة المجتمعية التي تحملهنَّ المسؤولية كاملة، فيعمد الآخرون إلقاء اللوم على الأنثى، وكأنها مسؤولة عن ما حدث وليس المعتدي، مسندين السبب إلى خروجها أو ملبسها أو طبيعتها أو استخدامها لوسائل التواصل هو ما جعلها ضحية هذا الفعل، فضلا عن عن خوف الفتيات من اندلاع مشاكل بين عائلاتهن وعائلات المتحرش. ذكرت رجاء العاملة مع أحد المنظمات :”محال أن أتكلم أمام أي أحد في حال تعرضت لأي نوع من التحرش، فكثير من الفتيات اللواتي شكونَ من التحرش، صفعهنَّ الناس بالعبارة التالية :”اللي ما بتدلي بزنبيلا محد بيعبيلا”.

بعضٌ من الأخريات صمتنَ خوفاً من فقدان فرصة العمل تقول فاتن في هذا السياق :”عندما كان يزعجني مديري كنت أصمت من أجل الحفاظ على عملي، فهو السبيل لوحيد لأكسب لقمة عيشي، وأسد حاجات طفلي ذو السنة، سيما أني أرملة ولا معيل لي”.

وأضافت أم أدهم بنبرة قهر”قرفت من الشغل بالمزرعة، بس إذا تركتو منين بدي أصرف على جوزي العاجز وولادي الأربعة”، فهي الأخرى كان يلاحقها صاحب المزرعة من مكان لأخر ملقياً على مسامعها كلمات ذات إيحاءات جنسية، غير أنه يحاول بين الفينة والأخرى أن يلمسها، فكانت تبتعد عنه مكملةً عملها والألم يعصر قلبها.

“لا يتوقف تأثير التحرش على الشعور بالاستياء لدى الضحية بل يذهب أبعد من ذلك حيث تعاني من آثار سريعة تظهر مباشرةً أثناء حالة التحرش وتستمر بعدها لأيام أو أسابيع حسب الحالة، التي تتلخص في الخوف والقلق وفقدان الثقة بالذات والآخرين والشعور بالغضب”. ذلك ما قالته الناشطة المجتمعية ليال الحسن ضمن الحديث عن الآثار السلبية للتحرش على الأنثى وأضافت:” من أهم استراتيجيات المواجهة هي التسلح بالمعرفة تجاه آليات مواجهة التحرش وسبله، والثقة بأنه من حق الجميع التعبير عن أنفسهم وارتداء ما يلائمهم والتنقل بحرية وأمان سواء كانوا ذكوراً أو إناث دون أن يتعرضوا لما يؤذيهم أو يحدّ من ثقتهم بأنفسهم وبالآخرين”.

كما تتضافر جهود المنظمات بإطلاق حملات توعوية، بهدف علاج هذه المشكلة كمنظمة الـ SRD و مرام وغيرهم من المنظمات الإنسانية. يقول المدير الطبي لمنظمة SRD واصل الجرك :” نسعى لمعالجة مشكلة التحرش وذلك من خلال تنظيم دورات توعوية حول التحرش الجنسي كل ستة شهور، ونزيد من نشاطنا عند ازدياد حركة النزوح بين القرى”. ويتابع :”يتم اختيار الفئة العمرية من 13 إلى 35 سنة، لنقدم لهم معلومات عن معنى التحرش وأسبابه وإنتشاره”. والمقصد من وراء ذلك هو نشر الوعي و المعرفة الكاملة بالتصرف الصحيح حيال هذه الموقف، إضافة لتمكين المرأة في المجتمع في سبيل مواجهة المخاطر التي تحيط بها.

تعود فاتن إلى ساحات العمل من جديد متناسية قصتها ، لكن هذه المرة بعزيمة أقوى، وأكبر دليل على ذلك هو سعيها للتعاون مع المنظمات المهتمة بالشؤون النسوية، لطرح هذه المشكلة على مدى أوسع، إضافة إلى ذلك تشجيعها لجميع النساء التي تقابلهن على عدم السكوت في حال وقعن ضحايا لتصرفات غير لائقة.