أبو شفيق وزيارة مفاجئة - إيمان ديراني

كان قد مضى على حصار مدينة داريا قرابة السنة والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم على المحاصرين الذين بلغ عددهم قرابة 10 آلاف، نصفهم من النساء والأطفال. اعتاد الأطفال على الخروج من المدرسة ظهراً متحدين القذائف واحتمال القصف ليجمعوا من بيوت المدينة المهجورة ما قد يكون الكبار قد نسوه، وهو ما يسميه الأهالي بالعامية بـ” الحوش”.

قد لا يسعف الحظ دائماً أولئك الأطفال ليجدوا بعض الطعام الذي يبحثون عنه، ولكن بعضهم قد يظفر بعلبة ألوان أو دفتر أو محفظة غطاهم الغبار والردم فيعود فرحاً بها. لم يكن الكبار ليمنعوا الأطفال عن هذا النشاط بعد أن طال الدمار 70%من منازل المدينة شبه المهجورة، وذهب القصف بأبواب وبعض جدران منازلها، كما أنه لم يكن لمن تبقى من أهل المدينة مصدر آخر لاقتناء ما يحتاجونه من ملابس وأحذية وقرطاسية وغيره، وذلك بعد أن فرغت البيوت من الطعام تماماً إلا ما تم تركه سابقاً لوجود مخلّفات الفئران عليه ولكنّه تحوّل إلى غنيمةٍ في أوقات الحصار الصعبة.

لم يكن هناك ما يخيف الأطفال إلا ذاك العجوز السبعيني محدب الظهر وحاد العينين “أبو شفيق”، فقد كان لهم دائماً بالمرصاد.
اعتاد أبو شفيق على أن يقف في منتصف الطريق عند مدخل الحي سانداً كفيه على خاصرتيه، وهو يزعق بوجوههم رافعاً سبابته مهدداً إيّاهم بعذاب القبر وسياط منكر ونكير ( الملكان الموكلان بمحاسبة الميت في القبر ) ذلك أن بيوت الحي تحت أمانته كما يدعي، وقد عنى ذلك أن تكون أغراضها مباحة له وحسب، كونه الوحيد الموجود من أهله الآن.

لم أكن أعلم بما يفكر به فارس ومحمد وعلاء بأسئلتهم الكثيرة عن القبر وعذاب القبر ومنكر ونكير ولكنني أنا وغيري من المعلمات لم نجده غريباً. فذكر الموت لا يكاد ينتهي في مدينتنا المنكوبة ولم يكن الأطفال محيدين عن هذه الأجواء فكم من صديق لهم اختطفته الحرب وهو يلهو بألعابه أو اختطفه من طريق مدرسته. ولم يكن قد مضى شهران على استشهاد “محمد وسميرة” الشقيقين بقذيفة أصابت منزلهما ولم يكن قد انتهى ذكرهما في المدرسة المقامة في قبو الجامع بعد.
كنا نجيب عن هذه الأسئلة محاولين قدر الإمكان أن نقدم في هذه الإجابات ما يتناسب وأعمارهم، ولكنّهم كانوا يخططون لأمرٍ ما، وقد تبين فيما بعد أن خطتهم كانت مدروسة رغم صغر سنهم.

دخل الأطفال محمد وفارس وعلاء متسللين إلى منزل “أبو شفيق” ليلاً بعد الساعة العاشرة أي بعد توقف مولد الكهرباء، وقد تلثموا لا خوفاً من أن يعرفوا – فضعف نظر أبو شفيق لن يسمح له بمعرفتهم في الظلام- بل من أجل تغير أصواتهم وتفخيمها، وقبل دخولهم غرفة “ابوشفيق قطع علاء سلك البطارية ثم دخلوا.
كانت داريا غارقة في الظلام منذ بداية الحملة الشرسة من قبل النظام السوري عليها وكانت مولدات الكهرباء تعمل في المراكز الحيوية للمدينة كالمشفى والمطبخ ومركز العبوات وغيره …و تعمل لعدة ساعات فقط باليوم في خطة تقنين مدروسة، والقليل من السكان من يملك الوقود لتشغيل مولده الخاص
وكز محمد الشيخ بعصا في يده:”قوم قوم أبو شفيق”
أفاق من نومه مذعور:” مين مين ”
فرد فارس :”قوم انت في القبر انت مت بالصاروخ لما كنت ببيت جارك حسن وانت عم تحوش فيه وتسرق الزبادي والصحون ” وكان أن رأه فارس بالأمس على هذه الحالة عند عودته من المدرسة. “أنا منكر” وتبعه محمد:” وأنا نكير، من ربك فكان جوابه سريعا مع ارتعاد صوته فرقاً: “الله ربي ومحمد نبي” وأكمل
علاء :”حاسبو”
محمد:” منين جبت براد المي”
– “والله من عند جاري حسن هوي سمحلي”
رد فارس :”كاذب حسن مابيعرف وهي اول كذبة اسألو يا نكير عن كيس الألعاب ليش حاطو عندو ومنين جابو ”
قال له محمد :”جاوب” وبنبرة عالية فأجاب مرتبكاً:” والله بدي وصلها لصحابها بس يرجعو بس مالي عارف اني ح موت”
علاء :”كاذب هاتوا السوط وافتحوا جهنم لهذا الكاذب”
وبدأ يتوسل :”والله بدي رجعهن صدقوني ما بدي أسرقهن”
لكن ضحكة من علاء أفسدت الموقف.
وعندها تحسس أبو شفيق جسده ليخرج القداحة من جيبه في محاولة منه التعرف عليهم بضوئها الخافت وقد استوعب المقلب وقبل ان تضيء قداحته بدء بسيل من الشتائم و بملافظه البذيئة فما ملك الفتيان أنفسهم من الضحك.
وقبل أن يضيء نور قداحته كان الفتيان” شمعو الخيط” وركضوا وهم يتعثرون بمسروقات ابو شفيق التي ملأت البيت مسرعين لئلا يتعرف عليهم تاركين أبو شفيق تلك الليلة بظلام دامس لانه لن يستطيع إصلاح ما أفسدوه في أسلاك البطارية.
صحيح أن المقلب لم ينته كما أراد له الفتيان لكنها آتى أكله فمن يومها لم يعد ابو شفيق يذكر للأطفال منكر ونكير وسياطهم ولعله يتجاهلهم عندما يجدهم في بيت من بيوت جيرانه يبحثون تحت الدمار عن حاجياتٍ لهم أو لأسرتهم .