تشكل لحظة خروج أحد المعتقلين أو المعتقلات من سجون النظام، فرحة كبيرة لدى ذويه وأقاربه وأصدقائه، فرحتهم بعودته حياً بعد أن كادوا يفقدون الأمل برؤيته مرة أخرى، مع جهلهم التام بمصيره ومكان تواجده.

بالمقابل هناك أسر لمعتقلين ما يزالوا مغيبين ضمن السجون، لم يعرف مصيرهم ولم تتضمنهم تلك الدفعات ممن أطلق سراحهم، لتعكس على نفوس ذويهم وأسرهم لحظات من الشعور بالفقد والأسى على من فقدوهم.

بالرغم من مشاركتهم أهالي المفرج عنهم فرحتهم، إلا أنها تعيد إليهم ذكرى اعتقال فرد من افراد أسرتهم والتي لم ينسوها أصلاً، فينقسمون ما بين مترقب لخروج قريب، أو باحث عن خيط يوصله للاستدلال على مصير من فقد، وبين هذه وتلك تختلج في نفوسهم مشاعر مختلفة ومتضاربة لا يستطيعون لجمها أو التحكم بها.

نجاح السرحان واحدة من النساء السوريات اللواتي عانين من فقد أحبة لهن غيبهم الاعتقال، فهي ومنذ العام 2012 اعتقل زوجها أمام ناظريها ليختفي كل أثر له من حينها.

تستذكر نجاح ذلك فتقول: ” تم اعتقال زوجي في مدينة حلب بتاريخ 4 / 6 / 2012 من قبل النظام فرع الأمن العسكري بكمينٍ أمام ناظريّ وتم وضعه بسيارة مدنية نوعها كيا ريو ( تاكسي)”.
وتتابع سرد الواقعة بالقول: “ذهبت إلى الفرع للسؤال عنه. قيل لي بأنه تم ترحيله من الفرع فبدأت رحلة البحث عنه من فرع لآخر وصلت للقضاء العسكري أخبرني المدعو العميد يزن بأنه غير موجود وربما تم ترحيله إلى دمشق بقيت لمدة شهرين وأنا أبحث وأدفع دون جدوى”.

ولم تقف معاناتها عند هذا الحد بل ابتدأت معاناة أخرى مع اضطرارها لتهجر مدينتها الى إدلب كون النظام وضع اسمها على لوائح المطلوب القبض عليهم، كما أخبرها أحد أصدقاء زوجها والذي يعمل محامياً، وذلك لمساهمتها في تأسيس حزب سياسي غير مرخص أنذاك يدعى (حزب المساواة السوري).

قدمت الى إدلب لتبدأ حياة جديدة لا تخلو من مصاعب جمة، من تأمين السكن المؤجر الى ضرورة الحصول على عمل، الى مسؤولية تربية الأولاد كل هذا وجدت نجاح نفسها مسؤولة عنه لوحدها مع وجودها بعيدة عن أهلها أو من يفترض بهم الوقوف معها في محنتها.

عن هذا قالت نجاح: ” بدأت معاناتي بالبحث عن عمل علما أن فرص العمل قليلة جدا لكن علي أن أقوم بواجبي تجاه أطفالي لأكون أباً وأماً لهم في نفس الوقت. بقيت لمدة أشهر وأنا أتعلم تجويد القرآن إلى أن تمكنت من العمل في تحفيظ القرآن في أحد المعاهد”.

وتتابع نجاح لتقول: “كنت أتلقى أجراً رمزياً مقابل عملي، واستمرت هذه الحالة لمدة عام، انتقلت بعدها للعمل في مركز مزايا كمنشطة عملت لمدة أربع سنوات بعدها انتقلت للعمل كمعلمة للغة العربية”.

وعن وقوف المجتمع الى جانبها فهي تصفه بالإيجابي والمعنوي وله قيمة كبيرة لديها.

معاناتها لم تطلها وحدها بل تعدتها لأطفالها فهم الخاسر الأكبر في هذه المأساة كما تصفهم هي. وجل اهتمامها منصب على رعايتهم ومحاولة تعويضهم عما فقدوه معبرة عن ذلك بقولها: ” حاولت قدر الإمكان التوفيق بين عملي وتربية أطفالي ولكن أطفالي كانوا الخاسر الأكبر لكوني لم أكن متفرغة لهم تماماً”.
وأردفت قائلة: “لم أجد من يرعى أطفالي أثناء تغيبي عن المنزل، ونضطر للانتقال كل فترة من منزل لآخر لأننا نسكن “بالأجرة””.

كل هذه المعاناة والكفاح من أجل العيش لم ينسياها يوماً قضيتها الرئيسة وهي اعتقال زوجها الذي تجهل مصيره لهذا تراها تتبع أخبار المعتقلين، تتلقف أي أخبار تصل من داخل السجون على ندرتها تتابع كل شخص تم إطلاق سراحه، علها تحظى بإجابة شافية تهديها لمكان تواجد زوجها وتنبئها بمصيره.
تقول نجاح: “في كل مرة يتم فيها الإفراج عن معتقلين ينتابني التوتر والقلق أملاً مني أن أجد زوجي بينهم وفي كل مرة أصاب بخيبة الأمل الكبيرة”.
تضيف السرحان: ” أشعر أحيانا بالتعب والعجز كوني غير قادرة على فعل شيء ولا أستطيع إعادة فرحة كلمة بابا لأطفالي، لم أفكر يوما بأنني مهزومة فأنا أريد المضي قدما لأستحق أن أكون أما لأطفال ظلمتهم الحياة فهم كل ما أملك”.
يضاف الى معاناة ترقب من يفرج عنهم، تلك القوائم التي يصدرها النظام بين الفينة والأخرى لمعتقلين قضوا تحت التعذيب في معتقلاته والتي لها وقع لا يمكن وصفه على معارف وأقارب المعتقلين. عن هذا تقول السرحان: ” من أقسى المواقف التي مرت علي حين تم الإعلان عن أسماء المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب كنت أبحث بين تلك الأسماء وقلبي يتفطر حزناً وخوفاً في كلا الحالتين أنا الخاسرة سواء لم أجد له اسما فهو مازال يقاسي أشد أنواع العذاب وسواء وجدت اسمه بينهم فإن حلمي بخروجه سيتلاشى”.

بالرغم من معاناة نجاح وما قاسته وتقاسيه الا أن ايمانها بعدالة قضيتها لم يضعف ويفينها بالنصر لم يلين. وعبرت عن ذلك بقولها: ” لم أندم يوما على اندلاع الثورة لأنها حق لكنني أحزن على ما آلت إليه اليوم. ربما فقدت زوجي ومنزلي وعملي السابق ولكنني لم أفقد العزيمة والثقة بأن الثورة ستنتصر يوماً ما”.
نجاح من ضمن عشرات آلف الأسر التي ذاقت مرارة الفقد، وعاشت وهي تترقب المجهول عل الأيام تأتي بخبر ينهي معاناتهم.

تختم نجاح سرد معاناتها بالقول:” أقول لكل من هم بمثل حالتي الصبر – الصبر، وكل شيء من الله هو خير لنا”.