التهجير، أحد الخيارات التي قد يجد أهل إدلب أنفسهم أمامها في المرحلة القادمة - إيمان ديراني

“هل سنرحل مجدداً؟ و الى أين؟” يتساءل أطفال أم خالد البالغة من العمر 40 عاماً، من مهجري الغوطة الغربية، بعد أن تناهت إلى مسامعهم أطراف من الأحاديث التي يتبادلها الكبار.

تعيش إدلب حالاً من الترقب والانتظار، إذ تقبل على مصير مجهولٍ ما بين احتمالات حربٍ طاحنة أو سلام دائم، فمنذ دخولها اتفاق خفض التصعيد في منتصف شهر أيلول لم يستقر لها قرار لفترة طويلة، وقد شهدت في الشهر الأول من هذا العام معركة شرق سكة الحجاز، والتي تسببت بنزوح ما يقارب 200 ألف من أهالي المناطق الجنوبية، من مهجرين و مضيفين. اليوم تتوجه أنظار الدول الفاعلة في الملف السوري مجدداً نحو إدلب، آخر معاقل المعارضة، بعد سيطرة قوات النظام من خلال اتفاقات ما عرف بالتسوية على مناطق جنوب سوريا ووسطها كافة.

وازدادت التحركات العسكرية بشكل ملحوظ على جبهات القتال، سواء في جبلي التركمان والأكراد في الساحل السوري وفي سهل الغاب بريف حماة الغربي وفي مناطق شرق إدلب، ما يُظهر بشكل جليّ سير عملية التجهيز العسكري بشكل جدي وسريع في صفوف قوات نظام الأسد، مما سبب ركوداً عاماً في الحركة التجارية في أسواق المحافظة المهددة، كما ظهر لنا بمجرد مرورنا في أسواق البازار التي كانت في السابق تكتظ بالمتسوقين، وأرقاً شديد للمهجرين الذين اضطروا للنزوح عدة مرات خلال عامين لوجودهم في الشمال.

عائلة أم خالد من بين العائلات المهجرة التي نزحت أولاً إلى جنوب إدلب ثم إلى وسطها ثم إلى شمالها. تقول:” أستيقظ في الليلة الواحدة لأكثر من عشر مرات فأفتح هاتفي وأستطلع غرف الأخبار لمعرفة آخر المستجدات”.

بلغ عدد سكان إدلب وريفها بعد التهجير القسري إليها من جنوب العاصمة وريفي دمشق وحمص الشمالي، 3 مليون و 695 ألف نسمة، في الشهر الخامس من هذا العام وذلك بحسب توثيق مكتب التنسيق والدعم التابع لمنسقي الاستجابة بالشمال السوري، لذلك فإن أي عمل عسكري من المحتمل أن يسفر عن كارثة إنسانية، لان إدلب كما وصفها السيد أحمد 60 عام من غوطة دمشق : “كما كوكبة خيوط الصوف أينا غرزت مخرزك فيها أصاب خيوطا على طول المخرز”.

مليون طفل معرضون للخطر
يرفض أطفال أم خالد النزوح لانهم عاينوا عذابه مراراً لكنّ سماعهم لصفارات الإنذار ثم صوت الطائرات الحربية يجعلهم يطالبون بالرحيل مجدداً. الأطفال هم الفئة الأشد تأثراً في هذه الحرب وخاصة بعد توالي النزوح وفقد كل ما هو مألوف بين ليلة وضحاها وترك الدراسة لفترات طويلة. صرح خيرت كابالاري المدير الإقليمي لليونسف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بيان مقتضب بأن “الحرب في سورية تعرض مليون طفل للخطر في إدلب وحدها”.

إدلب اليوم محاصرة من جهات ثلاث، نظام الأسد، الذي بات يسيطر مع الميليشيات الإيرانية على حدودها الجنوبية، في حين أن الجهة الشرقية يتموضع فيها تنظيم «داعش» وميليشيات نظام الأسد، لتبقى الجهة الشمالية مفتوحة مع تركيا التي أغلقت معابرها بوجه اللاجئين، والتي بدأت تقيم نقاط مراقبة بحسب اتفاق أستانا.

أم خالد وكما الكثير من المهجرين تتحدث عن خيارات المرحلة القادمة بحال دارت معركة إدلب: ” هناك ثلاثة خيارات، فإما أن نبقى في أرضنا ونعاني القصف والتجويع كما عانينا في داريا، وننتظر الموت قصفاً أو ذبحاً بعد دخول الجيش والميليشيات الطائفية، كما حدث في مجزرة داريا الكبرى، أو تكرار الترحال ولكن هذه المرة الى المجهول فلم يبق إدلب أخرى نهاجر إليها”.

لكن الخيار الثالث الذي ذكرته أم خالد وهو الأفضل من الناحية الأمنية هو الهجرة إلى تركيا، طبعاً هذا الخيار لا طاقة به إلا للمترفين، ذلك أن تكلفة التهريب من احد المعابر التركية قد تصل إلى 3000$ للشخص الواحد، أما ذووا الدخل المتوسط فإن طريقهم هو التهريب من فوق الجبال الوعرة والخطرة مع ظلام الليل، مخاطرين بالتعرض لإطلاق النار من قبل الجيش التركي المتمركز على طول الحدود كما حدث لكثير من الهاربين، او أن يُقبض عليهم بعد فرار المهربين ثم تتم إعادتهم إلى الجانب السوري بعد ضربهم وإهانتهم من قبل الجندرما، أما من يصل بعد محاولات عدة و دفع مبلغ قد يصل لـ1000$، فلن تنتهي مشاكله عند الوصول، إذ سيواجه غلاء المعيشة في تركيا، وغياب المنظمات الإغاثية في أغلب المدن التركية .

لكن هل أضحى خيار العودة لما يسمى “حضن الوطن” الأقل سوءاً؟

هذا الخيار إن كان متاحاً لأهل إدلب ولكنّ المهجّرين لن يقدروا عليه، كما رأى البعض.
ذلك أنهم ما خرجوا مهجّرين إلا بسبب ممارسات النظام القمعية، وقد خُيروا مسبقاً بين التهجير أوتسوية الأوضاع ومن ثم المصالحة التي تفضي في النهاية لضياع حقوق المعتقلين والمقتولين والمفقودين على أيدي النظام، واختاروا التهجير مرغمين.

هناك سبب آخر ذكرته السيدة أم جاد من ريف دمشق 30 عاماً، في شهادة أدلت بها على الهاتف :”وصلتنا أخبار الكثير ممن نعرفهم، ممن يفترض أنهم قد قاموا بتسوية أوضاعهم وبقيوا في الغوطة أو في درعا ومناطق سيطرة النظام، اعتقلوا بعد أقل من شهر من تسوية الأوضاع، ومنهم من قتل ومنهم من لم يصل أهله لأثره بعد”.

أم عماد البالغة 30 من العمر سيدة من داريا أم لطفلين، خرجت يوم التهجير القسري من داريا مع زوجها إلى الحرجلة، بعد وعود من مسؤولي المصالحات في نظام الأسد بعفو عن كل من عاد لحضن النظام، فسكنت في مخيمات الإيواء، وسوّى زوجها وضعه مع النظام، لكن لم تمض أيام حتى أُخذ مع عددٍ من الشبان، وبعد أيام أعادوه بنعش ملفوف بعلم النظام على أنه شهيد للجيش السوري.

لكن هل أهل إدلب الشعب المضيف بعيد عن مثل هذه التخوفات وهل لهم حلول أخرى؟
تحدثني الخياطة إيمان ام عبدو 40 عاما من معرة مصرين أنها تستقبل الكثيرات من الزبائن، وأثناء زيارتهن يتحدثن عن نفس المخاوف، وهنّ أيضا في حيرة من أمرهن، فمن تطمينات من جهة معلومة وبشكل واضح من مسؤولين أتراك، وبين إشاعات تنذر بهجوم النظام وبداية القصف، كان الأمر مربكاً ودخل الجميع حال تخبط، ولكن هناك الكثير ممن كانوا ينوون النزوح عدلوا عن الأمر وقرروا البقاء.

يقول السيد أحمد من الغوطة الغربية لدمشق:” الجميع في تقلب دائم بين يقين بسلام وبين يقين بحرب فتركيا تعد دولة إقليمية ذات ثقل في الملف السوري وتصريحات مسؤوليها تعتبر لها مصداقية ونقاط المراقبة التي أقامتها تبشر بخير “.

لكن استعدادات النظام دفعت بالكثير من سكان ريف إدلب الشرقي تحديداً إلى النزوح فعلاً، فلا يخلو في هذه الأيام أوتوستراد دمشق- حلب الدولي من سيارات محملة بالأمتعة متجهة نحو شمال المحافظة، لكن الفرق بين الإدلبي والمهجّر، أن الأول لا يمتلك تصوراً مسبقاً عن حالة التهجير، خاصة من لم يسبق له أن أخرج من بيته.

مبادرة روسيا “الإنسانية”

وزارة الدفاع الروسية أعلنت عن إنشاء مركزٍ خاص في سوريا لاستقبال وإيواء اللاجئين، مؤكدة المعلومات بشأن مبادرة روسيا لحل مشكلة عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم والتي تنقل عبر القنوات الدبلوماسية إلى مكاتب الأمم المتحدة المتخصصة، بالإضافة إلى السفارات الروسية التي يوجد بها حالياً أكبر عدد من اللاجئين السوريين، في 36 دولة، من أهمهم دول الجوار تركيا ولبنان والأردن.

ويتساءل بعض قاطني المحافظة عن مدى تلاؤم إعلان وزارة الدفاع الروسية هذا، مع واقع الحملة العسكرية التي تجهز لها روسيا مع النظام والمليشيات الإيرانية لتهجير أكثر من مليون ونصف مهجر على أقل تقدير إلى المجهول.

أم خالد وعائلتها آثروا خيار البقاء لانهم ملّوا الترحال ودخول المجهول كما هو حال أكثر سكان إدلب. ويبقى مصير أكثر من ثلاثة ملايين مدني منهم أكثر من مليون طفل معلقاً بما ستحمله الأيام القادمة.