صورة لأحد المخيمات-
صورة لأحد مخيمات اللاجئين السوريين - تصوير إيمان ديراني

مثّل لبنان إلى جانب تركيا والأردن، أحد أوائل الوجهات التي قصدها السوريون الباحثون عن مستقرٍّ وملاذٍ منذ عام 2011، لقربه الجغرافي وقد أدى ذلك إلى أن تتركز فيه واحدة من النسب الأكبر للتواجد السوري خارج الحدود السورية. كانت مقولة “شعب واحد في بلدين” تتردد في البلدين، سواءاً لما كان يشكله الأمر من حقيقةٍ جغرافية وديمغرافية، أو لأسباب سياسية مختلفة، لكن واقع اللاجئين السوريين في لبنان حول هذه العبارة إلى “جيش واحد في بلدين”.
عمليات مداهمة واعتقال وموت تحت التعذيب وحرق للخيام بما فيها، ليصل الأمر الى إعادة اللاجئين قسراً إلى البلاد، وهي العملية التي يسميها السوريون تندراً “العودة لحضن الوطن”.

تتردد الأنباء والنقاشات المتعلقة بعودة اللاجئين السوريين ضمن تغطيات العديد من الوكالات والوسائل الإعلامية وتطغى كذلك على المحادثات السياسية في الآونة الأخيرة، وبخاصةٍ في البلدان التي تستضيف الأعداد الأكبر من اللاجئين.

مؤمنة حسن (30 عاماً) إحدى السيدات اللاجئات في لبنان، تتأمل بناتها الثلاث وهن يتحلقن حول سفرةٍ تحوي بعض كسراتٍ من الخبز وما تيسر من طعامٍ لا يكفي لملء البطون الخاوية تحت سقفٍ من البلاستيك، بعدما اضطرها جيش النظام السوري وحلفاؤه من حزب الله اللبناني إلى اللجوء هناك، إثر مقتل جوزها في إطار الاشتباكات التي كانت تدور في الغوطة. بدأت السيدة بذرف الدموع لا لفقر الحال، بل لقلة الأمان الذي يتجدد مع هاجس الترحيل قسراً إلى سوريا. هاجسٌ يكاد لا يفارقها حتى في نومها.

أكثر من مليون لاجئ

يستضيف لبنان حوالي 1,011.366 لاجئ سوري مسجل بشكلٍ رسمي لدى مفوضية شؤون اللاجئين وهو العدد الأكبر بين الدول المضيفة بالنسبة لعدد سكانه البالغ 4 ملايين نسمة، حيث بلغ عدد المخيمات ما يقارب 1300 مخيماً.
هذا وتحوي عرسال في البقاع اللبناني على التجمعات السورية الأكبر، والتي تشتهر أيضاً بسمعة أمنية سيئة. وكان جزء كبير من اللاجئين فيها قد تم تهجيرهم من الغوطة والمعضمية وهي مناطق عرفت بضراوة القتال فيها.

لكن كما يقول سكان المخيمات “خرجنا من تحت الدلف لتحت المزراب”، حيث يتهمون الجيش اللبناني بأنه أصبح الوجه الآخر لإرهاب جيش الأسد، فلم يعد اللاجئون السوريون هناك يسلمون من المداهمات والاعتقالات التي تنتهي أحيانا بالموت تحت التعذيب في مخيمات اللجوء.

اليوم يزداد وضع مؤمنة وساكني المخيمات سوءاً بعد سوء، وذلك بعد إصدار وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية قراراً يقضي بإخلاء المخيمات في عرسال متذرعين بأسباب قانونية ترتبط بمخالفات وتراخيص بناء، لكن تزامنه مع مساعي سياسيين لبنانين لإعادة اللاجئين لبلادهم يثير قلقاً كبيراً خصةً بعد إرجاء تنفيذ قرار الإخلاء في 4/7/2018 لحين إيجاد حلٍ بديل لألفي لاجئ.

الترحيل القسري:

ما أكد المخاوف السابقة هو ترحيل 500 لاجئ في الثامن عشر من نيسان الفائت من بلدة شبعا، حيث هدد رئيس بلدية بيت جن السابق هيثم حمودي العائلات السورية بمنعهم من العودة إلى سوريا إلى الأبد في حال رفضهم العودة الآن، كما توعّدهم بتسليط جهاز الأمن العام اللبناني عليهم “لتوقيفهم وعرقلة حياتهم في لبنان”. كما أكدت مصادر محلية في بلدة شبعا، نقلاً عن موقع العربي الجديد

هذا وقد سبق لـ”حزب الله” اللبناني أن نظّم عودة آلاف اللاجئين السوريين من عدة بلدات حدودية لبنانية مع سورية إلى الداخل السوري خلال العامين الماضيين، ودون تنسيق مع السلطات اللبنانية أو مع الجهات الدولية والأممية المعنية بملف اللاجئين.
ومع استعادة القوات السورية المدعومة من إيران وروسيا للكثير من الأراضي، كثف بعض السياسيين اللبنانيين من مطالبهم بعودة اللاجئين خلافاً للرأي العام الدولي الذي يعتبر أن الوضع لا يزال غير آمن.

من جهتها أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيان أصدرته سابقاً إلى أنها “لا تشارك في تنظيم هذه العودة أو غيرها من حركات العودة في هذه المرحلة، نظراً للوضع الإنساني والأمني السائد في سورية”.

الإعادة القسرية للاجئين قيد التنفيذ، ولكن تلقي المساعدات الخاصة بهم مستمر
ومع تعليل بعض الساسة اللبنانيين مساعيهم بإعادة اللاجئين إلى مناطق سيطرة النظام بانهيار اقتصادي يوشك لبنان على أنه يواجهه بسبب أزمة اللجوء، إلا أن لبنان ما زال يحصل على مساعدات دولية ويطالب بالمزيد باسم السوريين، حيث أكد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ضمن مؤتمر لدعم مستقبل سوريا والمنطقة في بروكسل شهر نيسان الفائت على وجوب زيادة الدعم المقدم للمجتمعات المضيفة إلى 100 مليون دولار سنوياً على الأقل، لتمويل مشاريع البنى التحتية، وتوسيع وزيادة نطاق البرنامج الوطني لاستهداف الفقر، من خلال تأمين 125 مليون دولار أميركي على شكل منح خلال السنوات الخمس المقبلة.

ترافقت حملات الترحيل بتجييشٍ إعلامي وسياسي تمحور حول ربط سوء الأوضاع الاقتصادية في لبنان مع الوجود السوري، ما زاد من شدة الاحتقان في الشارع ضد اللاجئين، حيث صار التعرض للعنصرية أمراً طبيعياً يواجهه الكثيرون منهم، وهذا ما أخبرنا به أبو عامر، لاجئ من الغوطة ويعمل في محل بقالة، حيث يقول: “أسمع يومياً كلماتٍ تدل على العنصرية توجه ضد السوريين، من قبيل (بهدلتو البلد)، أو (إيمت بدنا نخلص من هالزبالة)”.

ما مدى صحة المقولات التي تفيد بتدهور الاقتصاد اللبناني بسبب أزمة اللجوء؟
تحدّثت إحصائية للجامعة الأمريكية في بيروت قبل عام عن دور اللاجئين السوريين في نمو الاقتصاد اللبناني بمعدل مليون دولار أمريكي يوميا فضلا عن استحداث لما يزيد عن اثنين وعشرين ألف وظيفة عمل بين العاطلين عن العمل نقلاً عن ‘تنسيقية اللاجئين السوريين في لبنان’ وتجب الإشارة هنا الى أن اللاجئين في لبنان يقيم غالبيتهم داخل المحافظات والمدن ويزاولون أعمالاً مختلفة ونسبة قليلة تقطن المخيمات وتتلقى مساعدات وحتى هؤلاء فهم يعملون في أعمال البناء والنظافة وبأجور زهيدة.
كما شهدت لبنان نشاط في قطاع العقارات والفنادق والسياحة بعد 2011 حيث ظهرت الاستثمارات السورية بشكل واضح في هذه القطاعات كما أظهرت دراسة نشرت في “نداء سورية”.

ما هي الأسباب المحتملة الأخرى لإعادة اللاجئين قسرياً إلى بلادهم؟
لقد ألقى القرار رقم 10 بظله الثقيل على اللاجئين في كل مكان وسبب أرقاً وتخوفاً لدى الساسة في لبنان من توطين السوريين كما عبر سعد الحريري عن ذلك بقوله أن ” القانون رقم عشرة يقول للنازحين “ابقوا في لبنان”.
كم أنه قطع آمال الكثير من اللاجئين بالعودة أو الاستفادة من عقاراتهم و ممتلكاتهم فهو يقضي بجواز إحداث منطقة تنظيميّة أو أكثر ضمن المخطّط التنظيميّ خصوصا أن إثبات الملكية في المناطق التي دمرت و تم حرق الكثير من المستندات وأوراق الطابو والوكالات فيها بات أمرا صعباً في حال أمن اللاجئ على نفسه من دخول سورية وإثبات ملكيته

هل يستطيع اللاجئون العودة طواعية لبلادهم ومنازلهم في المستقبل القريب؟

مع الضغوط التي تمارس على اللاجئين يحاول الكثير منهم “التفييش” لأسمائهم أي معرفة ما يتضمنه ملفهم الشخصي عند النظام عن طريق ضباط في الجيش يقومون بتسريب المعلومات لقاء مبلغ مالي على أمل العودة لديارهم في حال لم يكونوا من المطلوبين لأفرع الأمن والمخابرات السورية
يقول محمد أبو حسين من نازحي الغوطة البالغ من العمر 45 :” لا أستطيع الوثوق بنتيجة التفييش، حتى في حال أخبروني أني غير مطلوب فقد اعتقل الكثير من غير المطلوبين، حتى و لو وثقت فكيف سأعود وإلى أين ” فحال الكثيرين في المخيمات أنهم لا يستطيعون العودة خوفا من الاضطهاد وسوق أبنائهم الى جبهات القتال في صفوف الجيش السوري إضافة لما يعانونه من نقص الأموال والوسائل.”
هذا فضلا عن أن الكثيرين منهم قد دمرت بيوتهم وتم “تعفيش” ممتلكاتهم بالكامل و منهم من هم ممنوعون من دخول مدنهم المدمرة كما هو حال أهل مدينة داريا، فهي خالية من سكانها ويمنع دخولها بعد أن أعلنت منطقة عسكرية منذ سنتين.
أما مؤمنة فهي كباقي النساء، اللواتي يخشين على سلامة أطفالهن وعائلاتهن في حال أجبرن على العودة إلى سوريا مع بقاء النظام السوري وميليشياته في السلطة، ومالم تنته الاعتقالات التعسفية التي قد تطال أي لاجئ، فالنسبة العظمى من اللاجئين معارضون، وهذه تهمة تكفي للاعتقال و قد تصل العقوبة إلى حد تنفيذ الإعدام الميداني عند النظام السوري.
“فالسلامة والأمن هما شرطا العودة” كما تقول مؤمنة وهما شرطان لا يمكن التكهن بتحققهما في المستقبل القريب في ظل التطورات الأخيرة على الصعيد العسكري في سورية.

لم يكن لبنان البلد الوحيد الذي يتحدث عن إعادة اللاجئين السوريين المتواجدين على أراضيه، فالأردن ينحو نحوَ لبنان في ذلك.
وإلى أن يحسم أمر اللاجئين وربما لن يطول الانتظار، تجد النساء في المخيّم قد تجمعن كل صباح أمام خيمة إحداهن في طقسٍ بديلٍ عن طقس “الصبحية” الذي كنَّ ليمارسنه في ظرفٍ طبيعي وآمن، ليتبادلن آخر أخبار سوريا ولبنان، ويتكرر بينهنّ سؤال: “هل حقاً أضحى هذا العالم لا يتسع لنا جميعاً؟”