من الوقفة التضامنية في إدلب مع الشهداء تحت التعذيب- تصوير: سلمى محمد
من الوقفة التضامنية في إدلب مع الشهداء تحت التعذيب- تصوير: سلمى محمد

“أزمةٌ قلبية، فشلٌ كلوي، أو وعكةٌ صحية هي ما أودى بحياته”.
هذا ما تقوله قوات النظام -دون تقديم أية أدلةٍ طبية -لأهالي المعتقلين الذين قضوا في السجون، سجونٌ يغيب فيها 104029 معتقل بينهم 7009 امرأة و3118 طفل/ة، وقُتل فيها 13066 تحت التعذيب منذ آذار 2011 حتى حزيران 2018 حسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
محمد (30 عام) معتقلٌ سابق لدى النظام، كان شاهداً على القسوة والوحشية في التعذيب يقول: “نال البعض أشدَ أنواع العذاب، كانت العظام تظهرُ مكانَ تعليقهم من أيديهم لوقتٍ طويل بما يسمى (الشبح)، حيث يتسلخ الجلد من شدة الضرب”، ويضيف: “أحد المعتقلين أصيبَ بخللٍ في الجهاز العصبي وأصبح يعاني من التبول اللاإرادي بعد تعرضه للتعذيب بالكهرباء، كنا إذا أغمي على أحدنا نحاول إيقاظه لأنه إذا تم إخراجه سينهالون عليه بالضرب حتى يصحو، كانت جراح البعض تقطر قيحاً وتفوح منها رائحة النتن ولا يتلقون العلاج، أما المسؤول عن الطبابة-وهو أحد السجانين- يقدم الدواء لثلاث فئاتٍ فقط، مرضى القلب والضغط والسكر، أما غيرهم فلا نصيب لهم من الدواء”
وعن الموت داخل السجون يقول محمد: “توفي ثلاثة كانوا معي في المهجع عينه، بعد موتهم حضر 3 عمداء، ليسألونا عن كيفية موتهم وهل يتم تعذيبنا أو نتعرض لمضايقات، لم نستطع أن نتكلم بالحقيقة لأن المساعدين المسؤولين عن تعذيبنا كانوا معهم”.
تضمنت اتفاقية تهجير داريا في آب 2016 إخراج المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب، وإطلاق سراح النساء والأطفال المحتجزين في السجون، وبيان وضع المعتقلين الذكور للبدء في إطلاق سراحهم في مرحلةٍ تالية.
وافق أهل المدينة على مضض فإنقاذ أرواح من تبقى في المدينة والإفراج عن المعتقلين يعد أولوية. فخرجوا من المدينة متأملين حصول أبنائهم القابعين في السجون منذ سنوات على حريتهم، لكن النظام السوري بدأ بالمماطلة والتسويف ولم يلتزم بالإفراج عن أحد.

وبعد قرابة عامين على تهجير أهالي مدينة داريا الذين كانوا ينتظرون فرحة لقاء أبنائهم على أحر من الجمر أصدر النظام في تموز/ 2018 قوائم بأسماء 1000 من المعتقلين قضوا تحت التعذيب يستطيع ذووهم التأكد من وفاتهم من دائرة النفوس، لتقضي تلك الأنباء على فتات أملٍ يعيش عليه الأهالي، وينقلب بذلك انتظار خروج الأبناء خوفاً وقلقاً من سماع خبر موتهم!
“كلهم أحياء عند ربهم، أنا لن أذهب وأستطلع عن إخوتي الأربعة وأبناء إخوتي الثلاثة، رح يرجعوا عندي ثقة بالله” هذا ما قالته أم جواد كردة فعل عن الأنباء التي تناقلتها الألسن، لا تستطيع أم جواد أن تصدق تلك الأخبار، هي تُفضل البقاء بانتظارهم على السؤال عنهم في النفوس منعاً لسماع خبرٍ مؤلم.
العضو في فريق توثيق معتقلي داريا علا عليان أخبرتنا أنه تم اعتقال أكثر من 5000 بين ذكر وأنثى وطفل وطفلة من مدينة داريا منذ بداية الثورة وحتى اليوم، أُفرج عن 2264 معتقل ومعتقلة من بينهم لاحقاً، ليبقى داخل السجون 2708 معتقل موثقين بالأسماء، من ضمنهم 55 معتقلة و19 طفل وطفلة، بينهم 1263 متزوجين تاركين وراءهم 4192 أبناء، واحتمالية كون الأرقام أكبر من ذلك واردة نظراً لصعوبة التوثيق، وهذا ما استطاع الفريق أن يقوم بتوثيقه.
وبالسؤال عن أعداد المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب قالت علا: ” إلى اليوم تم توثيق 208 شهداء تحت التعذيب كلهم ذكور، عدد منهم تم إثبات استشهاده عن طريق صور سيزر، والعدد الآخر حصل أهلهم على الهوية الشخصية لابنهم أو علموا خبر الوفاة عند استخراج بيان عائلي أو إخراج قيد من النفوس، الأرقام ليست نهائية وتتغير كل يوم خاصة أرقام شهداء التعذيب”.
وأكملت: “لا يتم نشر كل الأسماء التي تصلنا وذلك لأنه في بعض الحالات زوجة المعتقل تقوم بالسؤال عنه ويتم إخبارها أنه توفي ولكن عائلته ترفض تصديق الخبر، في هذه الحالة يتم توثيق الاسم دون نشره مراعاةً لمشاعر أهله”.
هذا وأكدت مصادر حقوقية أن العشرات ممن أعلن النظام وفاتهم، كانوا من جيل الثورة السورية الأول “جيل السلمية”، والذي سبق أي حراكٍ مسلح بما فيه ظهور الجيش السوري الحر، وكان من بين أبرزهم يحيى شربجي وأخيه معن، إسلام الدباس، مازن شربجي، الأخوين مجد وعبد الستار خولاني، نبيل شربجي، وغيرهم ممن كانوا رافعين أيديهم بالماء والورود حينما كان النظام السوري موجهاً فوهات بنادقه تجاه أصواتهم السلمية المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة.
تقول إحدى قريبات مازن شربجي: “في الشهر الثامن من عام ٢٠١٢ كانت آخر زيارة لمازن في سجن صيدنايا وأول ما قاله (سنواجه محكمة ميدانية أنا ويحيى ومجد وعبد الستار واسلام كلنا بقضية واحدة ومع رزان زيتونة)، كان يستنجد بنا، ساعدونا يريدون إعدامنا، ولم نستطع على فعلِ شيء”.
أطلق نشطاء من داريا على الحدث الأخير اسم المجزرة الثانية حيث ما حصل في مجزرة آب 2012 يتكرر ولكن بشكلٍ مختلف.
أحمد من داريا، وله شقيق معتقل منذ آذار 2014، يقول: ” تعيدني هذه الأيام الأليمة إلى الوراء تحديداً يوم مجزرة داريا الكبرى، كانت لحظات من الترقب والخوف ولا شيء يعلو فوق آهاتنا، الأرض ليست كما عهدناها والموت منتشر في كل مكان”.
ويكمل: “لا فرق لدي اليوم بين مشهد المعتقلين وذاك المشهد، فما يمر بأهل مدينتي تطابق تام لحالة الترقب والعجز القاتل، لا ألم يفوق التفكير بأسئلة لا تنتهي، كيف استشهد ذلك المعتقل وأي تراب ضمه وكيف كانت لحظاته الأخيرة؟”
لم تكن داريا المدينة الوحيدة التي تكشّف فيها ما حاول النظام التعتيم عليه لسنوات، لكنها نالت الحصة الأكبر، وكان من نصيب محافظة الحسكة 750 معتقل، منطقة التل 700، 550 من حلب، 400 من تل كلخ في حمص، 450 من معضمية الشام و30 من يبرود ومناطق أخرى عدة، وقد وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا مقتل 533 فلسطيني تحت التعذيب.
لا شك أن قضية المعتقلين والمغيّبين قسرياً هي الأكثر إيلاماً رغم ما يكتنفها من تعتيم سياسي وإعلامي لا يقل عن عتمة السجن ووحشية السجان، لقد كانوا في البداية أرقاماً في غياهب المعتقلات، وأخيراً أسماء بدون جثث في دوائر النفوس، جريمةٌ تتنافى مع كل القوانين الدولية والشرائع السماوية وقواعد الأخلاق، وممارساتٌ تنم عن تجرد النظام من الإنسانية.