سوريا وحيدة فهل من مجيب؟- تصوير: سلام الشامي.
سوريا وحيدة فهل من مجيب؟- تصوير: سلام الشامي.

كيف نسي الجميع أن الشام كانت بيتاً آمناً لكل من تهدم داره …!
كيف صمت قاسيون أمام وجوهكم التي نادته طويلاً…؟ افتحوا أبواب بيوتكم أيها السوريون. افتحوها حتى لو كانت صغيرةً وقديمة أو خيمة في بلادٍ بعيدة…علموا العالم كيف تكون النظافة الحقيقية والترتيب العالي والتهذيب الجم”.
سطورٌ كتبتها الكاتبة العراقية شهد الرواي، ترثي الحال الذي وصل إليه السوريون بعد أن أبهروا الدنيا بأكملها بالحضارة والرقي الذي ينعمون به، والذي اتخذوه منحىً لحياتهم كلها. ترتيب وذوق رفيع، وتفرد في نمط الحياة، فجعلوا من كل حارةٍ من حارات الشام كوكباً للعيش الهني الرغيد، يُذهل العالم على مر العصور.
كرمٌ متأصلٌ في النفوس، طيب في المأكلِ والمسكن والملبس، ألفاظٌ منمقة محببة تُسعِدُ كلَّ من يسمعها، عطوراتٌ وياسمين تعبق رائحته على الشرفات وفي الأزقةِ الضيقةِ القديمة، حتى اقترن ذِكرُ ذاك الياسمين الأبيض بذكرِ دمشقَ ومُدنها.
كثيرةٌ هي القصائد والأشعار التي نُظِمَت في مدحِ الشام وطِيبِ العيشِ فيها، وَكُثرٌ هم الأدباء والمفكرون الذين تغنّوا بحضارةِ السوريين وتفوقها على شتى الحضارات.
يذكر المفكر الأردني صالح القلاب الأيام التي قضاها في ربوع الشام وذكرياته فيها يقول “كنا قديماً نشتري “الملبسَ الشّامي” فنتعجب بفكاهةٍ ودعابة كيف استطاع السوريون بذوقهم الرفيع إدخال حبة اللوز داخل ذاك الغطاء السّكري الأبيض! وكيف تفوق الشعب السوري على كثير من الشعوب بفطنته وذوقه الرفيع في شتى المجالات؟ ”
حضارة اشتهرت بها سورية منذ القدم ما لبثت أن أصيبت البلاد بفاجعة كبيرة فقدت فيها أعداداً كبيرة من أبناءها بين شهيد ومعتقل ومفقود انتهت بمؤامرة التهجير الكبرى التي خطط لها العالم أجمع ليخرج أصحاب الأرض منها ويدخل إليها أناساً محتلين من طوائف مختلفة استكمالاً لتلك المخططات الدولية.
فاجعة ومأساة كبرى لحقت بالسوريين لم يتخيلوا يوما أن يعيشوها. كيف تحول البيت السوري الأنيق المرتب الذي تُعدّ فيه غرفة للضيوف قبل غرف النوم أو الجلوس أو المطابخ، كيف تحول إلى خيمة تائهة تضيع في المخيمات النائية وتحمل رقماً من آلاف أرقام الخيام المشابهة لها تغرق بالوحل كلما حلّ الشّتاء وتزداد لهيبا كلما جاء الصيف؟
كيف استطاع النظام السوري أن يهجر ملايين السوريين من بلادهم ويسلب منهم أراضيهم وبيوتهم ليحول العيش الرغيد الآمن إلى مأساةٍ ومعاناة وينال من تلك الحضارة ويقضي على مواطن الجمال ومنابع الرقي فيها.
واقعٌ مرير بدّل حال السّوريين الأول وجعلهم ينزحون من بلادهم ليتركوا خلفهم كل ذكرياتهم التي عاشوها في ربوع تلك الأرض الطيبة، كل ما جنوه خلال سنوات عمرهم السابقة، ليواجهوا حياة جديدة لم يألفوها سابقاً مختلفةٌ تماماً عمّا عاشوه من قبل، فمنهم من لجأ إلى البلاد الأوربية عبر مراكبِ الموت التي حصدت أرواح الكثير خلال رحلاتٍ محفوفةٍ بالمخاطر، ومنهم من قطن المخيمات الحدودية حيث لا عمل ولا استقرار بل فقر وتشرد وبطالة، ترعاهم المنظمات الإنسانية وتدون أسمائهم في سجلات النازحين لتعطيهم شهريا نصيبهم من السلال الإغاثية، يوقعون على استلامها فيما تلتقط لهم صورا أثناء التوزيع وتنشرها على صفحات التواصل الاجتماعي.
مصير خطط له العالم أجمع وشهد على تنفيذه، فوصل بهم إلى هذا الحال. لن يختار السوريون مصيرهم هذا لو قدر لهم الاختيار، لم يعرفوا يوماً طوابير الإغاثة ولا دفاتر المعونة، لم يكن عليهم أن ينتظروا دورهم أمام أية منظمة أو جمعية إغاثية لينالوا بطانية أو سلة إغاثية. بل كانوا يفيضون عطاءهم على القريب والبعيد.
ما الجرم الذي ارتكبوه لينالوا هذا المصير ويتخلى عنهم الجميع؟ لِمَ قابل العالم أجمع طيب الشعب السوري وكرمه بالتآمر والخذلان؟ ما أكثرَ من يرثي حالَ الشام وأهلها الآن ويتحدث عن مُصابها وألمها لكنّ المأساة عظيمةٌ فمن أين سيبدؤون؟ وعمن سيتحدثون؟ عن الكبار أم الصغار؟ عن البيوت أم السكان؟
عن أطفالها اليتامى والمشردين والمصابين بعدما فقدوا طفولتهم البريئة في تلك الحرب؟ أم عن شبان سوريا المهاجرين في أصقاع الأرض بعد أن غيبت قوات النظام مئات الآلاف منهم في السجون، وأغلقت الدول المجاورة حدودها أمامهم وقيدتهم في مخيمات الذل الحدودية في الصحاري وبين الجبال؟ أم سيتحدثون عن نساءها وشيوخها، عن بيوتها وأراضيها، التي سلبت لتعطى لأقوام آخرين استحلوها بغير حق؟
نادت سوريا كثيراً وستبقى تنادي قاسيون وبردى والفرات، حتى تلبس رداء الحرية، نادت إخوانها العرب ليضمدوا جراحها ويواسوا أبنائها فافتحوا قلوبكم لها عساها تستمد الحياة منكم، لن ينس السوريون أن بلادهم فتحت أبوابها لكل من هجر من بلده فقاسمتهم أحزانهم وبثت فيهم القوة، وأن بيوتهم اتسعت لكل من طرق بابها يوما. لن ينسوا كل من وقف معهم في محنتهم وشاركهم آلامهم.
ستبقى الكاتبة شهد تتغنى بدمشق لكنها تعيد تساؤلاتها وتسأل أهل الشام من جديد ذاك التساؤل المحق “لماذا رددتم كثيرا كلمة “تقبرني” حتى قبركم الجميع؟”