لم تعد المقابر تتسع للضحايا- تصوير: إيمان ديراني
لم تعد المقابر تتسع للضحايا- تصوير: إيمان ديراني

حضنت طفلتيها وبدأت تحكي لهما حكاية المساء فلا تلفاز ولا برامج أطفال هنا، حيث آثرت المبيت في القبو، فلا أمان للنظام من خرق التهدئة. لم يستيقظ الجميع على صوت الصواريخ بحكم العادة، ولم تكن ترعبهم فهم في مأمن منها، لكن الغريب هو ضيق التنفس ورائحة الكلور التي ملأت القبو.
أحس الأب أنه الغاز السام، حمل ابنتيه وركض بهما إلى الحمام في الطابق العلوي ولحقته الأم، لم يكد يصل للماء ويفتح الصنبور حتى وقع هو أيضاً، استغاث بزوجته لكن صوت ارتطام جسدها بالأرض قطع أمله. نظر الى ابنتيه فأيقن أنهن قد فارقن الحياة، كان يحاول الصراخ والاستنجاد لكن لا مجيب فلا آذان تسمع، وكل من في القبو قد أصابهم ما أصابه لكن الفرق أنه وعائلته استقبلوا الموت واقفين ومن تبقى ماتوا في مضاجعهم.
إنها عائلة محمد (31 عاماً)، إحدى العائلات التي قضت بضربة الكيماوي على دوما في 7 نيسان 2018، تلك الضربة التي خلفت أكثر من 150 قتيل وألف مصاب وفق ما أعلن الدفاع المدني في المدينة، بالتزامن مع الذكرى السنوية لمجزرة خان شيخون.
لم تكن هذه المجزرة الوحيدة التي اقترفها النظام السوري في غوطة دمشق بل سبقتها هجمات مشابهة في آب 2013عندما قصف بلدات زملكا وجوبر وعين ترما ومعضمية الشام بغاز الأعصاب السارين ومواد كيماوية أخرى أدت الى مقتل ما يقارب 1500 قتيل كان للنساء والأطفال فيها حصة الأسد، ثم تبعها عدة ضربات كان آخرها في نيسان 2017 على خان شيخون في ريف إدلب والتي خلفت 83 قتيلا من المدنيين.
ورغم ادعاء نظام الأسد التخلص من مخزون السلاح الكيميائي في البلاد، فقد لجأ إلى استخدام هذا السلاح المُجَرَّم دوليا 215 مرة منذ بدء الحرب في سورية عام 2011، حسب شبكة حقوقية ومصادر في الدفاع المدني في سوريا.
وبعد كل قصف بالغازات السامة والتي ينتج عنها مجزرة مروعة تتسارع الدول عبر منابرها الحكومية إما بالاستنكار والتنديد لاستخدام سلاح الكيماوي أو المطالبة ممن ثبت عنده استخدام النظام لهذا السلاح بسحبه منه دون معاقبته على فعلته، وستجد آخرين يطعنون بصحة الخبر لشكهم بصحة الصور الواردة من موقع الحدث. وفي أفضل الأحوال ستجد منبرا يهدد القاتل على استحياء فبعد مجزرة ‘2013’ الكيماوية سمع الشعب السوري صوتا من البيت الأبيض؛” أن القاتل لن يفلت من العقاب” وفلت!
وصل عدد قتلى السلاح الكيماوي إلى ما يقارب الثلاثة آلاف بحسب تصريحات الدفاع المدني في المناطق المستهدفة، ورغم هول الرقم، إلا أنه لا يقارن مع تعداد القتلى في المجازر اليومية التي يرتكبها النظام في سوريا، باستخدام أسلحةٍ مختلفة، والذي يزيد عن 400 ألف قتيل، ناهيك عن أعداد المفقودين والمغيبين قسرا في سجون النظام الذين لم تتمكن المنظمات الحقوقية من توثيق أعدادهم بعد، إلى جانب المصابين، والذين وصلت أعداد المعروفين منهم إلى أكثر من 1.5 مليون شخص، بحسب ما ذكر المدير الإقليمي لليونسيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خيرت كابلاري، حيث أشار إلى أن هذا العدد يشمل الإعاقات الدائمة نتيجة الحرب، بما في ذلك 86 ألف شخصاً فقدوا أطرافهم، وأوضح المصدر نفسه أن 3.3 ملايين طفل داخل سوريا يتعرضون لمخاطر المتفجرات على اختلاف أنواعها”.
الكيماوي ليس سبب الموت الوحيد، ففي السابع من نيسان هذا العام، أكد الدفاع المدني في ريف دمشق:” أنّ دوما تعرّضت، السبت، 7 نيسان لأكثر من 400 غارة جوية، بينها غارات محملة بغاز الكلور السام، وغازات أخرى، و70 برميلاً متفجراً، و800 راجمة صواريخ، و40 صاروخاً محمّلاً بقنابل عنقودية.

استمر القصف الى اليوم التالي و لم يعط النظام السوري وحليفته روسيا وقتا لأهالي الضحايا علهم يكرمون فيه من قضوا بمسكن أبدي كما غيرهم من الأموات بل أمطروهم بأبابيلهم حسب ما أكده الدفاع المدني في دوما :”فقد شنت الطائرات الروسية نحو 30 غارة جوية، منذ صباح الأحد، 8 أبريل فيما قصفت قوات النظام بعشرات الصواريخ، الأحياء السكنية في المدينة ”
وهذا ما حدث 21/8/2013 يوم اختلط الماء والزبد بالدماء والأشلاء حتى أضحى من الصعب تحديد سبب الوفاة في معضمية الشام حيث استهدفت مدافع الفرقة الرابعة المركز الطبي الوحيد في المدينة بالصواريخ بعد أن امتلأ الطريق بمصابي وقتلى السارين وكنت يومها شاهدة على تلك الواقعة.
“من المؤسف أن يحكم بحرمة آلة القتل وليس على القتل، وما الفرق بين جرح انبجس منه الدم وجرح انبجس منه زبد؟ أم لعل الدم لكثرة رؤيته ألفوه؟” هذا ما قالته أم عامر الدومانية كما اشتهرت في بلدها الجديد في الشمال السوري، وهي إحدى الناجيات من القصف في السابع من نيسان.

لم يكن حزن أم عامر الدومانية على طفلها وزوجها اللذان قتلا بصاروخ بأقل من حزنها وألمها على طفلتها وأمها العجوز وجيرانها ممن قضوا بالكيماوي، لكن ألمها وجرحها أصبح أشد عندما ألحقت جريمة الكيماوي بجريمة التهجير القسري لمفجوعي أهل الغوطة على مرأى ومسمع تلك الحجارة الصماء المتربعة على كراسي الحكم في العالم، وتخاذل فاضح لإخوان لهم ذاقوا ألوان الظلم لكنهم رضوا أن يتخلفوا عنهم.
علمت أم عامر بخبر التهجير قبل دفن أحبابها، حاولت رفضه، وصرخت بأنها تفضل الموت مع من مات على الهجرة، لكن رؤية من أذاقها الويلات مرات ومرات يطأ أرضا حضنت في أحشائها أبناءها وأحبائها جعلها تؤثر الخروج مع من تبقى لها من أهلها، فما قيمة الأرض إن كان من يدب فوقها قاتل أهلها؟ وما يضر من في باطن الأرض نجس من على ظهرها؟
فبعد جريمة الكيماوي والتهجير بأقل من شهرين لم يكن من العالم إلا جزاء للنظام من جنس العمل وكان ذلك تحديداً يوم الإثنين 28 أيار يوم توجت سوريا لأربعة أسابيع، برئاسة الدورة الحالية لمؤتمر نزع السلاح في جنيف. خبر هز الشعب السوري المكلوم وخاصة أهل الغوطة لما فيه من تناقض بين هذا المؤتمر الذي أصدر معاهدة عام 1993 لمنع تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وإبادتها وبين أن تترأس دولة استخدمت هذه الأسلحة ضد شعبها.
وبهذا تزداد قناعة الشعب السوري بأن العالم بات مشاركا النظام في تقتيلهم وقطعت آمالهم بمعاقبة من أدين بجرائم حرب ضدهم.
وفي النهاية “إن لم تستطع 64 دولة منع ترؤس سورية لمؤتمر نزع السلاح الكيماوي فهل سيلاحق جميل حسن مدير إدارة المخابرات الجوية بعد مذكرة التوقيف التي صدرت بحقه مؤخراً من المدعي العام الألماني أول حزيران (المنصرم)” تقول لنا أم عامر بعدما فقدت أي أمل بالمجتمع الدولي وإمكانية معاقبته لمجرمي النظام السوري في يومٍ من الأيام.