أصبح التطوع ظاهرةً اجتماعية في إدلب- تصوير: مرام المحمد
أصبح التطوع ظاهرةً اجتماعية في إدلب- تصوير: مرام المحمد

ظهرت في السنوات الماضية ظاهرة التطوع الشبابي في ظل الأزمة السورية والتي توجهت لخدمة المجتمع، ظاهرةٌ لم نشهدها من قبل في سوريا، بيد أن الاوضاع الراهنة ولّدت الحاجات لتوحيد الجهود، وتقديمها بشكل تطوعي، لتخطي الصعوبات، وتخفيف المعاناة. من هنا حيث بدأت الجهود الفردية لتتكاتف في مجموعاتٍ استطاعت تحقيق فوائد أشمل للعوائل المتضررة، وتنوعت مجالات العمل لتشمل كافة متطلبات الوقت الراهن ، ليصبح التطوع أحد ميزات الشباب السوري، وواحداً من أهم عوامل إعادة الإعمار والنهوض من جديد بالبلد، والجدير بالذكر أن هذا النشاط جاء بعد زمنٍ طويل اعتبر فيه الكثيرون العمل التطوعي مضيعة للوقت يخص من لا يملكون عملاً يتقاضون أجراً عليه أو من لديهم أوقات فراغ كثيرة، ليتعرض مزاوله للانتقادات بأنه من الأفضل البحث عن عمل يكسب منه بدل التطوع !.
ينبع التطوع من الشعور بالمسؤولية، سواءً أكانت هذه المسؤولية وطنية أم مجتمعية أم إنسانية أم دينية، إضافة لما يتيحه العمل التطوعي من نموٍ وتطوير للقدرات الكامنة ومن بينها القدرة على العطاء والتصرف في مواجهة أي أمرٍ طارئ، إلى جانب زيادة روح التعاون والمحبة بين الأفراد في تحقيق هدف واحد هو النهوض بالمجتمع .
الدخول في العمل التطوعي:
يمكننا اعتبار العمل التطوعي مقياساً للوعي المجتمعي، فهو يظهر مدى استعداد الشباب الواعي والمثقف لتقديم المساعدة دون مقابل، حيث تتبلور الأعمال التطوعية لتثمر في نفس كل متطوع، فلا تقتصر إيجابيات التطوع على المجتمع فحسب، بل وعلى المتطوع عينه، وذلك من خلال ما اكتسبه من مهاراتٍ وخبرات في مجالات الإغاثة والدعم النفسي والإسعافات الأولية وغيرها، إلى جانب الاختلاط اليومي بأشخاص مختلفين، ما يعود عليه بالمزيد من الخبرة الحياتية والمعرفية، ويمنح المتطوع شبكة علاقاتٍ اجتماعية تزيد من شعبيته واحترامه في المجتمع.
إضافةً لكل ما سبق، أصبح التطوع شكلاً من أشكال تطوير السيرة الذاتية، حيث تعتبرها المؤسسات والشركات خبرةً هامة، يتم التعويل عليها بشكلٍ جدي أثناء البحث عن فرص العمل.
عن هذه التجربة يخبرنا عبد الرحمن أبو الهوس (متطوع) “بعد تحرير مدينة إدلب، عاشت المدينة فترة صعبة، وكان الأهالي بحاجة لتقديم أي نوع من أنواع المساعدة، من هنا نشأت فكرة العمل التطوعي لدى مجموعة من شباب المدينة”. ويضيف: “انخرطت معهم في هذا المجال ووضعنا الخطط وآلية منظمة للعمل، قمنا كفريق عمل بتجهيز بعض الملاجئ والاقبية للأهالي القادمين من المدن الاخرى، الهاربين من القصف وتقديم مساعدات متنوعة لهم، يدفعنا لهذا العمل حبنا لمدينتنا وأهلنا متسلحين بالحيوية وروح الشباب المفعم بالثقة والأمل، ورغبة منا في تقليل أثر الواقع الذي نعيشه، خاصة مع غياب المؤسسات الرسمية التي تقدم الخدمات للمتضررين”.
بدورها أشارت مروة وهي إحدى المتطوعات إلى أن “الإقبال على العمل التطوعي في مجتمعنا غدا مقبولاً نسبياً، لكننا بحاجةٍ لغرس روح العمل التطوعي في المجتمع بقوة، ونشر هذه الأفكار بين الناس”.
العمل المنظم:
يعيش السوريون وسط ظروف صعبة يعلمها الجميع، والتي التهمت جوانب حياتهم كافة ، وأمام هذا الوضع المأساوي لم يكن أمام الشباب والشابات إلا الانطلاق والعمل بنفوسٍ محبةٍ للبلاد من شأنها الوقوف في وجه هواةِ الدمار، ليشدوا يد الخير على يد الوطن متطلعين صوب غدٍ أفضل، لتزدهر المبادرات المجتمعية بنفسٍ سوري، وروحٍ وطنيةٍ عالية، وبدأ التطوع في المؤسسات الاجتماعية والأهلية الخيرية، كالهلال الأحمر، ولجان شبابية أخرى تعمل ليلاً نهاراً لشعورها بالمسؤولية تجاه أهلهم المتضررين.
ومن بين هذه المنظمات كانت فريق ملهم التطوعي، والذي يضم 220 متطوعاً ومتطوعة من السوريين متوزعين في أنحاء العالم، وظهر عملهم في كافةِ المجالات الإنسانية، سواءً في حملات الاستجابة السريعة للمخيمات والمهجرين، أو في التعامل مع الحالات الطبية، وكفالات الأيتام والأسر، إلى جانب كفالات طلاب الجامعات، ودعم المراكز التعليمية المجانية ومراكز الدعم النفسي.
وظهرت فكرة العمل من الشهيد ملهم طريفي، والذي كان كان يحاول تقديم المساعدات الإنسانية، إلا أنه استشهد أثناء ذلك، ليجتمع أصدقائه ويحيوا جهوده بتشكيل فريقٍ تطوعي يحمل اسمه، ويهدف لمساعدة السوريين النازحين واللاجئين والمتضررين في كافة المناطق.
من المنظمات العاملة في إدلب، منظمة بارقة أمل النسائية، وفي لقاءٍ مع مديرة المنظمة ندى سمع، أشارت سمع إلى أن وجود قرابة الثلاثين متطوعةً بأعمارٍ مختلفة تتفاوت أعمارهم ما بين العشرين والخمسين عاماً، وبمستوياتٍ ثقافية وفكرية وعلمية واجتماعية مختلفة، وأشارت: “هناك بعض حالاتٍ من التطوع المؤقت، كالمحاميات والمدرسات والصيدلانيات، و غيرهن، إلى جانب أشكال التطوع الدائم والذي يقدم لهن بعض الهدايا الرمزية”.
الأثر على المتطوع:
وإن كان من المعروف أن التطوع لا يقدم بدلاً مادياً في الكثير من الأحيان مقابل الخدمات، وفي بعض الأحيان يقدم مبالغ صغيرة أو هدايا رمزية كنوعٍ من الاعتراف بالجميل، إلا أن المقابل المعنوي الذي يحصده المتطوعون في بعض الأحيان، قد يكون في بعض الأحيان دافعاً أكبر وأقوى من الدافع المادي.
نور (متطوعة)، فلا تزال يدها تمسح عن المتعبين عناء مصائبهم، وتقول: “لم تمنعني دراستي في الجامعة من تقديم المساعدة، لذلك رشحت اسمي في كل عمل تطوعي ، كثيرا ما اعود الى البيت بوقت متأخر”، وتضيف: “تربكني نظرات الأطفال، فأشعر بأنهم مسؤولية في رقابنا. لهذا أبذل كل ما أحمله من طاقة لأخفف عنهم الحزن وأمنحهم بعض السعادة، لأعود بنفسٍ أقوى وهمة أعلى على التطوع في كل يوم، حاملةً ابتسامةً لهم ولذويهم باملٍ بأن الآتي أفضل”.
“ربي يحميك لأهلك، الله يبعتلك بنت الحلال يلي تستاهلك تلك الكلمات التي كانت دائما تتردد على شفاه الأهالي شكرا لفريقنا التطوعي على المساعدة ,كانت تسعدنا كثيراً تلك العبارات، بكل صراحة أنا أجد ذاتي في التطوع ، لقد أصبح جزءاً مني أو يمكنك تسميته بالسوسة (الهاجس)” بهذه الكلمات يخبرنا مصطفى عثمان طالب الجامعة عن تجربته في العمل التطوعي.
عبدالرحمن أبو الهوس كان إصراره على العمل التطوعي كبيراً، يقول: “لا يوجد أجمل من رسم فرحة على وجه طفل يتيم أو أم فقدت أبنائها، وطفلة فارقت ألعابها وأصدقائها وغرفتها الوردية بجروح وغرفة في أحد المشافي، كلهم بحاجة همة الشباب ولا يوجد أجمل من إغاثة عائلة نازحة وتأمين مأوىً لها للعيش به بكرامة وإنسانية فلا يقاس العمل التطوعي بالمقابل المادي بل يقاس بالمقابل الروحي والرضا الإنساني عن ما نقدمه بعملنا ونحن ما دمنا نقدم المساعدة ضمائرنا بخير.”
ويذكر أبو الهوس مجموعةً من المواقف التي صادفها مع فريقه أثناء العمل: “تعرفنا على الكثير من الناس أثناء عملنا، لكن الموقف الذي لا يمحا من ذاكرتي كان عندما قمنا بلم شمل اطفال تائهين مع اهاليهم في مخيمات النزوح، كان لدموع الفرح طعمٌ مختلف” .

مدينة خارجة عن سلطة النظام، مؤسسات حكومية متوقفة عن العمل، وفود قادمة من شتى المدن الى هذه البقعة، حاجات كثيرة وإمكانيات قليلة هكذا كانت الحاجة ملحة لينهض أبناء المدينة وتنهض عزائمهم ليحملوا المسؤولية على كاهلهم، مقتنعين بأن لن ينفعهم أحد إذا ما تحركوا ونهضوا بمدينتهم المتعبة.