عادت بعض النساء للدراسة والعمل- تصوير: سلام الشامي
عادت بعض النساء للدراسة والعمل- تصوير: سلام الشامي

غابت كثير من النساء السوريات عن الأسواق التجارية بصفتها متسوقة ومتابعة لأحدث التنزيلات وصيحات الموضة، لتدخله مجدداً من بابٍ آخر فأصبحت العاملة والمسوقة والبائعة في كثير من المحال التجارية. واقع جديد فُرِضَ على كثيرٍ من النساء السوريات بعد فقدان أزواجهن ما بين شهيد ومعتقل ومفقود، فحملن مسؤولية الإنفاق على أولادهن وتربيتهم.
وصل عدد الأرامل بسبب الحرب السورية لأكثر من مليون أرملة وفاقدة للزوج بحسب عددٍ من الإحصائيات، في مقابل زيادة كبيرة بنسب عدد النساء العاملات نتيجة فقدان المعيل الأساسي.
حيث أكدت مصادر أممية أن نسبة النساء المعيلات لأسرهنّ في سوريا، ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، لتتخطى نسبة 11.2% تقريباً. مشيرة إلى أن المرأة في سوريا باتت تعمل في أعمال مهنية وحرفية عديدة ودخلت مجالات متنوعة في سوق العمل.
السيدة أم حسان 35عاما فقدت زوجها على أحد الحواجز دون أن تدري عنه خبراً، فلم تتمكن من اللحاق بإخوتها في تركيا لتبقى مع أولادها الثلاثة في أحد مراكز الإيواء.
تروي لنا أم حسان عن تجربتها: “لم تكن لدي القدرة على دفع إيجار بيت أسكنه مع أولادي، وخشيت عليهم من الانحراف في هذا السكن المشترك، فهم في مقتبل عمرهم، بحثت عن عملٍ يُمَكنّنا مردوده من الخروج إلى بيتٍ مستقل لنا، لم يكن الأمر سهلا، كان موردي الوحيد المعونات التي يقدمها المركز، بدأت بتعليم جاراتي حياكة الصوف، علمت مديرة المركز بذلك فطلبت مني إعطاء دروس في الخياطة وأشغال الصوف للنساء بشكل رسمي، غمرتني الفرحة أحسست بأنني وضعت قدمي على بداية الطريق، وبدأت أشعر أنه صار بإمكاني الآن الخروج من الفراغ الذي أعيشه، وتأمين دخل بسيط لنا”، وتضيف: “تواصلت بعدها مع أحد تجار الجملة، أنشأنا ورشة للخياطة وحياكة المنسوجات اليدوية إضافة إلى صناعة الإكسسوارات، واستقطبت عدداً من زوجات الشهداء والمعتقلين، الأمر الذي عاد بمردود جيد علينا، لأستطيع حينها استئجار بيت صغير ليضمني وأولادي”.

حمل ثقيل ألقي على كاهل المرأة السوري، لكنها رفضت في الكثير من الأحيان أن تمد يدها لتستجلب عطف الناس، بل عملت رغم صعوبة الظروف في حرفٍ مختلفة وخاضت مجالات متنوعة، فيما عادت الكثيرات منهن لإكمال دراستهن، وذلك على الرغم من سنوات الانقطاع الطويلة لكنهن صبرن وتحملن في سبيل حماية عائلاتهن وتأمين قوتهن.
خديجة البالغة من العمر 24 عاما نالت نصيبها من تلك الأزمة، فقد اعتقل النظام زوجها بعد أن أنجبت ابنتها الأولى لميس فعادت لتقيم مع أهلها. وعن قصتها تقول خديحة: “انتظرنا طويلاً خروج زوجي من المعتقل، لكن أخباره انقطعت تماماً، كبرت ابنتي لميس ودخلت المدرسة دون أن تعرف والدها، قررت إكمال دراستي حالي كحال صديقاتي اللواتي عدن إلى الدراسة، لم أعد أحتمل انتظار قدرٍ قد لا يكون كما أتمناه، نلتُ الشهادة الثانوية ودخلت الجامعة، شعرت بالحياة تعود إلى جسدي الذي سيطر عليه اليأس، وأنا الآن موظفة في مدرسة ابتدائية لأوفر مورداً مادياً لنا”.
لم تقف الدراسة عائقا أمام خديجة فهي في مقتبل عمرها، عودة قريبة إلى مقاعد الدراسة، أعادت الأمل إليها لتكمل حياتها من جديد.
قصص رويت وأخرى لم تروى بعد، مشقات وصعوبات تواجهها المرأة لتحمي أولادها وتعوضهم عما فقدوه خلال الحرب، لكن بالرغم من كل ما تشكله الحرب من مأساة، إلا أنها كانت دافعاً كبيراً للنساء لاكتشاف إمكانياتهن، والدخول في عوالمِ لم يخضنها بكثرةٍ من قبل، لتحقق بعضهن استقلالاً مادياً وتمكيناً اقتصادياً وعلمياً لم يكن ضمن الخيارات المتاحة فيما سبق لشريحةٍ واسعة، فهل ستساهم هذه التغيرات في منح النساء فرصةً أوسع في تقرير المصير، ودخول مجالات صناعة القرار، وإعادة إعمار البلاد بعد انتهاء الحرب؟