دخول النساء مجالات جديدة في العمل- تصوير: سيرين مصطفى
دخول النساء مجالات جديدة في العمل- تصوير: سيرين مصطفى

غالباً ما اقتصر عمل المرأة في الشمال السوري سابقاً على مهن محددة، كالتعليم والتمريض وغيرها، حيث كانت نسب النساء المشاركات في مضمار العمل قليلةً نسبياً، وبالأخص في المناطق الريفية.
كثيرات تمنين لو تسنح لهن الفرصة بالمبادرة بمشاريع جديدة، بيد أن العقبات المختلفة كانت تحول دون تحقيق رغباتهن، سواءً بسبب رفض العائلة والأهل دخول (بناتهن) في ميادين أخرى كالصحافة وإدارة المشاريع أو الدفاع المدني وغيرها، أم بسبب العادات والتقاليد، وعدم الإيمان بمهاراتِ النساء عموماً. فبقيت نسب المشاركات في هذه المجالات قليلةً جداً، بالأخص وأن الكثير منها يتطلب ساعاتٍ طويلة من الالتزام أو الانتقال من مكانٍ إلى آخر، ما أدى إلى تقويض أدوارهن ضمن مهامٍ محددة دون غيرها تتناسب مع الدور الجندري المنوطِ بهن مجتمعياً.
إلا أن تبدل الأوضاع في سوريا، منذ انطلاقة الثورة، ومن ثم الحرب التي ألقت بثقلها على مختلف مناحِ الحياة، غاب بعض الرجال عن ساحات العمل ما بين شهيدٍ ومعتقل ومصاب، وبعض النساء فقدن معيلهنّ وحملنَ مسؤولية العائلة على عاتقهنّ، لذلك أخذت المنظمات تصب اهتمامها على الشريحة النسائية.
انطلقت جلسات التوعية في الشمال السوري للتأكيد على أهمية عمل المرأة، وتشجيعها على أن تأخذ الدور الفعال في الوضع الراهن، ما لعب دوراً كبيراً في خلقِ مساحات جديدة للنساء من خلال خلق قبولٍ مجتمعيٍ أكبر، ومقاومة النظرة التمييزية تجاههن.
بدأت المنظمات بتوفير الدورات التدريبية للنساء، ومنحهن فرصاً جديدة في سوق العمل، إلى جانب دعم المبادرات والمشاريع الجديدة، لتسارع النساء بدورهن بانتهاز هذه الفرص، وامتهان أعمالٍ جديدة من شأنها النهوض بالمجتمع، ليصير من حق المرأة الآن المشاركة بأي عملٍ يتناسب مع مقدراتها.

وربما كان مجال الإعلام من أبرز المجالات التي فتحت أبوابها أمام النساء، حيث شهد الشمال السوري ورشاتٍ تدريبية مختلفة تعنى بالصحافة، بهدف تمكين المشاركات من نقل الحقائق ومناقشة القضايا الهامة على مختلف الأصعدة، كالمركز الصحفي السوري ومنظمة نساء الآن، إلى جانب مشروع عيني عينك، وغيرها من المبادرات المختلفة، لتسلك بعض النساء طريق الإعلام بالفعل ويبدأن بالإنتاج والنجاح.
يقين بيدو، مراسلة أورينت نيوز، واحدة من الصحفيات اللواتي دخلن مضمار العمل حديثاً، وعن تجربتها تخبرنا: “لطالما أحببت المضي في طريقٍ أنقل من خلاله الحقيقة ومعاناة الناس، بالأخص كوني واحدة منهم”، قبل الثورة كانت يقين تدرس علم الاجتماع في جامعة اللاذقية، لكن اتهامها زوراً بالتستر على الإرهاب منعها من الاستمرار، ليكون الثمن خسارتها لسنواتٍ من التعب، وتقول: “لم أتوقف عند هذه النقطة، بل استدرت نحو التدريب في العمل الإعلامي ما أن سنحت لي الفرصة، وواجهت الكثير من المصاعب، أولها سوء الأوضاع الأمنية في مناطقنا، بالإضافة إلى النظرة المجتمعية السائدة التي غالباً ما تنسب مهنة الإعلام للرجال فقط ، لكن من خلال عملي أثبت العكس واستطعت تقديم نظرة صحيحة عن المرأة العاملة في الإعلام” وتضيف: “كل ما كان يهمني هو تسليط الضوء على القضايا التي تهم وتفيد الجميع، وأيضا إيصال الأصوات المكتومة بقدر المستطاع. لهذا قدمت العديد من المواد المسموعة والمرئية والمكتوبة التي تناقش تلك قضايا من مجالات مختلفة”.

في مجالٍ آخر، التقينا بمنال (26 عاماً)، وهي مديرة المركز النسائي للدفاع المدني في خان شيخون، والتي شاركتنا بتجربتها أيضاً: “أغلقت بعض المشافي في بداية الأحداث وحدث نقص في عدد الأطباء، كنت أعمل في مشفى خاص وتم إغلاقه بسبب تعرضه للقصف، تطوعت في إحدى النقاط الطبية لعلاج المصابين ثم أعلن الدفاع المدني عن حاجته لعنصر نسائي، فكنت أنا و2 من زميلاتي أولى المتبرعات. واجهنا الموت أثناء عملنا، حيث يعد الدفاع المدني من النقاط المستهدفة من قبل الطيران وكانت الصعوبات جسيمة، لكن حال المصابين ومدى حاجتهم لنا دفعتنا للاستمرار في عملنا”.

وصلت نسبة الكادر النسائي في الدفاع المدني إلى 13% .وتبرز مهامهنّ في الإنقاذ والإطفاء بالإضافة إلى نقل المصابين إلى المشفى للعلاج، كما تقوم نساء الدفاع بنشر التوعية الصحية وإجراءات السلامة في الأماكن العامة لتعليم الناس سبل الوقاية والتعامل الصحيح وقت الأزمات، إلى جانب الدورات التدريبية على الإسعاف الأولي.

أما أم سالم (40 عاماً)من ريف إدلب الجنوبي، فقد خاضت في مجالٍ يعتبر حكراً على الرجال بشكلٍ كامل، وهو مجال البناء، وعن بدئها في خوض هذا العمل تخبرنا: “غادر زوجي البلاد منذ عامين وأنا أم لعشرة أولاد، لدينا معمل حجارة بناء، لتدفعني قسوة الظروف لأن أكون أماً وأباً في الوقت عينه، ففي الداخل لدي ترتيبات المنزل والأولاد وفي الخارج كنت أدير المعمل، أشتري الأسمنت والرمل وأبيع الحجارة، وأراقب عمل العمال وجودة عملهم”، وتضيف :” بداية الأمر كنت أخشى انتقاد الناس، لكن الجميع كان يكنّ لي الاحترام لأني قمت بواجباتي على أكمل وجه في غياب زوجي وأصبحت مثالا لنساء أهل القرية”.

أم سالم ومنال ويقين وغيرهن الكثيرات من النساء اللواتي أكدن قدرتهنّ على إدارة حياتهن الخاصة والاجتماعية على أكمل وجه، فلم تقف الحرب في وجه المرأة السورية بل منحتها الفرصة لتثبت أنها أهل للبناء، وأنها قادرة على إعداد جيل مثالي للمستقبل. وإن كنا نلتقي كل يوم بنساء حققن إنجازات على الصعيد الشخصي والاجتماعي ومع ذلك فإنهن ما يزلن يتعرضن لانتقادات اجتماعية من البعض، إلا أن هدف النهوض ببلدهن بعد الحرب كان أقوى من أي شيءٍ آخر.