من يمنح الأم وطفلها حقوقهما؟- تصوير: مرام المحمد
من يمنح الأم وطفلها حقوقهما؟- تصوير: مرام المحمد

أعلم أنها من أقرباء زوجي، التقيت بها بعد غياب طويل، في ذلك السرفيس الذي اعتدت الذهاب به الى الجامعة، وبدأنا سلسلة الأحاديث عن أحوالنا، لتخبرني أنها تدرس في معهد إعداد المدرسين في خربة الجوز، عرضت عليها الدراسة في جامعة إدلب حيث أن الجامعة أفضل من المعاهد، فأجابتني “لا أستطيع السفر طويلا، من أجل محمد”، ظننت أنه زوجها، فسارعت بالحديث: إذاً يمكنكما استئجار منزل، حيث يستطيع العمل بينما تكملين دراستك. ضحكت ونادت:” محمد! تعال يا ماما تأخرنا”.
لينا ابنة الخامسة والعشرين، هي اليوم مطلقة، وأم لطفلٍ لا أبَ يعترفُ به ويمنحه جنسيته، فبينما كانت تسقي أزهار شبابها اليانعة بدأت أشباح الخوف تحوم حول أبيها فيقوم بتزويجها من شاب تركي، قدم وأهله إلى المنطقة باحثا عن عروس له، تلألأت الاحلام الخادعة في عينيها “سأكمل دراستي في تركيا وأتعرف على بلد جديد، سأرتاح من العمل في بيت اهلي وخدمة زوجات اخوتي”.
لم تكن تعلم لينا ما الذي ينتظرها بعد هذا الزواج المزخرف بالألوان الخادعة، وبالفعل لم تطل القصة فجرت مراسيم الزواج دون ضمان لحقوق الفتاة، هو ما قد يعود لعدم المعرفة الكاملة لمخاطر مثل هذه الزيجات، إلى جانب الظروف القاسية وصدق النية.
في البداية مرت الأيام بشكلٍ مستقرٍ نسبياً، لتعود لينا فجأة إلى أهلها مطلقةً، دون أن تعرف العائلة السبب المباشر، سوى ما أنزلوه عليها من ظلمٍ في هذا الزواج، لم تكن المصيبة في طلاقها فقط بل في الطفل الذي يقطن أحشائها، ولا يعلم مصيره المنتظر.
ظهرت في المناطق الشمالية القريبة من الحدود، ظاهرة تزويج الفتيات لمن يتقدم لهن من الأتراك، لا يمكننا الجزم بأن كل الحالات انتهت في الطلاق، فهناك الكثيرات من السوريات تزوجن بشبان أتراك، وهن سعيدات بالحياة معهم، لكن تبقى قصة لينا وغيرها من البنات اللواتي تزوجن بشاب تركي أو غيره من الشبان الأجانب، الذين قدموا بسبب الحرب دون ضمان أي حق للفتاة في تسجيل عقد الزواج بشكلٍ رسمي، أو وجود شهود على الزواج من أهله ممن يمكنه الاعتراف بهذا الزواج الذي أصبح حبراً على ورق، تمزقه الأيدي متى تشاء.
بقيت لينا درساً لكل أهالي القرية ولكل أبٍ سوري يختار لابنته هذا الطريق، فيفكر ألف مرة قبل الموافقة على زواجٍ دون ضمان حقوق الزوجة أو حقوق الأطفال القادمين.
أخبرتني لينا وهي تحاول أن تخفف الصدمة التي رأتها على وجهي قائلة: من الغريب أنك لا تعلمين هل من المعقول أن أحاديث النسوة لم تصلك عني؟ أردتُ دفعها للتحدث حول حياتها الآن، لتجيبني باختصار:” محمد ابني هو أغلى من الدنيا وما فيها”، حتى أنها لم تتوقف أمام مصيبتها عاجزة، بل بدأت العمل في مجال الحلاقة النسائية، إلى جانب محاولاتها العمل بشهادتها ورغبتها بافتتاح روضة للأطفال.
يبقى السؤال عن مصير ابن لينا، وغيره الكثير من الأطفال، ممن تزوجت أمهاتهم، وغالباً رغماً عنهن، من رجالٍ أجانب، لتبقى النساء دون ضمانات، ويبقى الأطفال دون جنسية.