أم وسام أمام ما تبقى من البناء- تصوير: يمامة أسعد
أم وسام أمام ما تبقى من البناء- تصوير: يمامة

أم وسام (49) عاماً ام لستة أطفال من بينهم الطفل (وسام) من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم تترك وسيلةً إلا وحاولت الخوض بها في سبيل مساعدة ابنها، من وصفات الأطباء، إلى الأعشاب البديلة، وصولاً إلى وسائل التعليم التي تملأ غرفته، فلم تعرف الراحة منذ ولادته، وكلما كان يكبر كانت تكبر معه أحزانها، فلم تستطع مزاولة أي عملٍ بالرغم من أنها تخرجت من كلية الحقوق، فما كان منها إلا أن نذرت نفسها لابنها. حيث الحقته بجمعيةٍ إنسانية ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، مظهراً مهاراتٍ مميزة على حسب وصف معلمته أم محمد: “فهو طفل ذكي، خطه جميل، ويعرف معلميه، ويحب رفاقه، كما أنه يعرف الأرقام والألوان”.

نحن أبوك:
في الـ 20 من كانون الأول 2015، تعرضت المحكمة الشرعية في إدلب للقصف من قِبل قوات النظام، مخلفةً مجزرةٍ راح ضحيتها ما يزيد عن 100 شهيد، كان من بينهم زوج أم وسام، الذي اعتاد أن يعمل كمحامٍ.
كان وقع خبر وفاة الأب كالصاعقة على العائلة، حيث تلاشت الأحلام والذكريات، في لحظاتٍ عصيبةٍ اختبرت فيها الأسرة الموت والدفن والفقدان.
وعند عودت أم وسام الى الحارة صاح وسام متوجها الى رجال الحي “يا عمو أنا ما ضل عندي أب”، الذين اجتمعوا من حوله لمواساته قائلين “نحنا ابوك يا عمو”، في تحد جديد تقف أم وسام عاجزة أمام كلمات ابنها، هذه المرة عليها أن تكون أباً.

الغارة العاشرة:
بعد سنةٍ و13 يوماً بالتحديد كانت الغارات تشتد في إدلب، حينما كانت أم وسام وأولادها في منزلهم في الطابق السادس، وعند منتصف الليل كانت الغارة الثامنة، تخبرنا أم وسام بصوتٍ شجّه البكاء: “عندما جاءت الغارة استيقظت بناتي على وقعها، فهدأت من روعهن، وطلبت منهن معاودة النوم، أما أنا فلم أنم، وأنا أراقب الساعة كل قليل، وآخر مرةٍ نظرت فيها إلى الساعة كان 4:20 فجراً”.
حينها كانت الغارة العاشرة على بيت أم وسام، لتتشتت الأسرة تحت ركام البناء، كانت تسمع أصوات الحجارة تتكسر فوقها، فيما تظن أنه كان وقع هبوطها من طابقٍ إلى آخر، وتقول: “عندما توقف الارتجاج خلت أني غدوت في القبو. لمست صدري فوجدت قدمين، لأكتشف أنها أقدام ابني أحمد (5 سنوات) الذي صار يبكي وهو يناجيني (ماما ما عم أقدر أتحرك)، فهممت برفع الحجارة عني وعنه حتى استطعنا الخروج”.
أخذت أم وسام بالبحث عن أفراد أسرتها، إلى أن وجدت وسام وراما وسلام بالإضافة إلى أحمد الذي كان بيدها، أما ابنتاها شام (17 عاماً) وتسنيم (11 عاماً) كانتا مفقودتين، حينها بدأت فرق الدفاع المدني في البحث بين الأنقاض، إلى أن استطاعوا إنزال الأم ومن وجدته من أطفال عن طريق الحبال، بعدما تمكنت الضربة من تدمير الدرج حتى الطابق الرابع، وفي مشفى الكارلتون، تعرفت أم وسام على جثث ابنتيها من خلال علاماتهما.

عملها الآن:
لم تستسلم أم وسام لواقع ملئه المعاناة ، بل حاولت ان ترمم نفسها من جديد ، وتقدم لأطفالها الذين فقدو المعيل ما تستطيع، لم تجد بداً من الانطلاق لعالم العمل، ولكن أي عمل سيجمع اطفالها إليها، بيدَ أنها وجدت في روضةٍ لذوي الاحتياجات الخاصة حلماً قد يكمل مشوار عمرها مع طفلها، فبذلك تضمن بقاء أطفالها الى جوارها، وبحكم كونها ملكت الكثير من الأشياء التي تعلمتها لترفع من سوية أطفالٍ بعمر الورود، جاءوا بلا ذنب إلى حياة لا تفهمهم، قررت أن تنطلق في هذا المشروع، ولأنها لا تريد ثمن لقاء تقديم الخدمات لهؤلاء، قبلت في الروضة أطفال أكثر(أطفال أصحاء)، وكانت تحمل الكثير من الحب والأمل لكل طفل دخل روضتها، وهي تعلم ضيق حالها إلا أنها مستمرة في عمل تحسبه واجبا عليها، وتقتات به على ما تبقى من أيام في عمرها.