ما زالت القيم الذكورية تسيطر على واقع النساء- تصوير: سيرين مصطفى
ما زالت القيم الذكورية تسيطر على واقع النساء- تصوير: سيرين مصطفى

“مافي دخان بدون نار”، مثلٌ من أمثالٍ أكل الدهر عليها وشرب، بيدَ أن بعض الناس مازالوا يمعنون باستخدامه كمفهومٍ يفسرون من خلاله حال أي أنثى قُدِّرَ لها أن تقع في شراكِ مصيبةٍ مثيرةٍ للجدل.
وإن اعتقد كثيرون بأن التطور الحضاري واكب كل المناطق قاضياً بدوره على الكثير من المفاهيم القديمة، إلا أن شريحةً لا يستهان بها من الإناث لم تتوج رؤوسهن بإكليل الحرية بعد، فما زلن مقيدات بنظرة مجتمعٍ ذكوري تسوده النظرة التمييزية حيالهن، لتبقى عبارة “حقوق المرأة” مجرد شعارٍ تتزين به الخطابات الرنانة فتخطف الأضواء على المنابر وترسم صورةً رمزيةً في أذهان الجميع، توهمهم بأن المرأة وصلت إلى أحسن الأحوال، وما هي إلا مراوغة تخفي في طياتها حقيقة واقعٍ لا يحتاج إلا إلى أبسط الأشياء حتى تعكر صفو حياةِ المرأة.

الشب ما بيعبو شي!!
منى_ اسم مستعار_ (22 عاماً) واحدة من الفتيات اللواتي وقعن رهينة توبيخ الناس الحاد، وجلّ ذنبها كان اختيارها الانفصال عن خطيبها بسام بعدما وجدت فيه عيوباً كانت كفيلةً بأن تؤكد لها بأنه الشخص الغير مناسب لتستمر برفقته، لكن الناس حملوها مسؤولية إخفاق العلاقة بينهما، مطلقين انتقاداتهم اللاذعة لتنهشها أينما توجهت دون رحمة، في الوقت الذي عاد فيه خطيبها السابق لحياته بشكلٍ طبيعي دون أن يحرك فسخ الخطبة له أي ساكن، فلم تغفل عنه العيون فحسب، بل منحته فرصةً جديدة بحجة أنه شاب، و”الشب ما بيعيبو شي”.

تقول منى: “لم يكن أمامي خيار إلا العزلة لأهرب من الناس وأسئلتهم المتكررة بعد أن فسخت خطبتي. لم أجرؤ حتى ولو للحظة على إخبارهم بصدمتي الكبيرة بخطيبي بسام، حيث كانت فترة الخطوبة أشبه بالعذاب، فأنا فتاة تعيش في بيئة مناصرة للذكور وليس بمقدوري الدخول في عراكٍ مع شاب، لذلك غبت عن الجميع”، وتضيف: “رغم القرابة التي تجمعني بخطيبي السابق، إلا أني لم أكن لأعرفه جيداً قبل الخطوبة، حيث لم أختلط به بحكم العادات والتقاليد، وفي كل يوم كان يمر على خطبتنا، كان ينكشف لي شيء صادم أكثر من سابقه”، وتخبرنا منى عن أحد أسباب الانفصال، وتقول: “كذبت عيناي عندما رأيته برفقة فتاة غيري. تجاهلت أرقام الفتيات ومحادثاته معهن. كنت أقنع نفسي أنه ليس كأصدقائه السيئين إلا أن عبارة (قل من تصاحب أقل لك من أنت) كانت تراودني في كل مرة أراه مع أصحابه”.

بقيت منى أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الاستمرار بخطوبةٍ ستنتهي بزواجٍ فاشل، أو خلع الخاتم من بنصرها الأيمن وإعادته لصاحبه، دون أن يغيب عن بالها أنها ستصبح في فوهة المدفع لتواجه العواقب الوخيمة المترتبة عن الخيار الثاني، في وقتٍ تقبع فيه النساء في الخانة الأضعف ضمن المجتمع الذكوري، الكفيل بدفع الكثيرات للتنازل عن حقوقهن بالأخص ما إن كانت زمام الأمور لصالح الذكور.

انسحبت منى بهدوء باختيار ما يتناسب مع قناعتها، ودفعت ثمن مناقضتها لما يمليه عليها المجتمع. كان تنازلاً مؤلماً ترافق مع صمتها عن كل عيوب خطيبها السابق، دون أن يخطر على بالها أن الصمت ستكون نتيجته ضحية ثانية تذوق مرارة ما تذوقت منى.
كانت منى تنتظر يوم “الفرج” حين ينسى الناس قصتها فيتوقفون عن لومها، ليأتي ذلك اليوم حاملاً معه قصة دمار مستقبل فتاة أخرى، فابن عمها عثر على عروسٍ وتزوج، فأثارت قصة زواجه الجدل بين الناس لدرجةٍ شغلتهم عن منى.

العروس الجديدة:
تروي منى تجربة العروس الجديدة مع بسام، وتخبرنا: “ظفر بسام بفتاةٍ جميلة لاتزال في السادسة عشر من العمر، فتاةٌ نشأت في كنفِ منزلٍ محافظ، فكانت تتحرك من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى البيت، لكن عائلتها وجدت في الزواج ضمن هذه الأوضاع العسكرية (سترة)، وبالفعل تزوجت من بسام، لتمضي معه عشرة أيام فقط، حتى خلع عنها ستائر الزوجية بتهمة شرف”.
وتضيف منى: ” شكك بسام بعذرية الزوجة، وأخذت اتهاماته ترن في آذان الناس، فلم يكن بوسع والد العروس إلا أن يحلق بابنته بعيداً عن عش الزوجية متنازلاً عن جميع حقوق ابنته في سبيل الخلاص من ذلك اللسان السليط الذي جرد من معاني الحياء والشرف”.

فرحة العروس الصغيرة تلخصت بمرحلتين قصيرتين، فمن فستانٍ أبيض ناصع، إلى وصمةِ عارٍ ارتبطت باسمها واسم عائلتها، ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، بل أصبح لقب “مطلقة” سابقاً لاسمها، فحملت اللوم والانتقاد عن عاتق منى لا إرادياً، حتى صدّق البعض بسام بحجة أنه “لا دخان دون نار”.

اختلفت منى والعروس بالخسارة واجتمعتا بموقف الانسحاب والتنازل. لكن يا ترى من ستكون الضحية القادمة؟، ضحية الصمت والهروب وسيادة النظرة الدونية في المجتمع تجاه النساء. ما مصيرها؟ ما تهمتها؟ ومن سينقذها حينها؟ كيف ستواجه المجتمع؟ وهل ستجد من ينصفها؟ وما موقفنا من تلك الحالات كنساء؟