يحضر العرقسوس في معظم الموائد الرمضانية- تصوير: إيمان ديراني
يحضر العرقسوس في معظم الموائد الرمضانية- تصوير: إيمان ديراني
  • لا يمكن تصور شوارع دمشق وأسواقها دونَ واحدٍ من أهم سماتها، ألا وهو بائع العرق سوس، والأمر لا يقاس على دمشق فحسب، بل على سوريا بشكل عام، فبائع شراب العرق سوس المتجول و(أرجوزته) المميزة، تضفي على المشروب هناءً وعذوبة، فتزيد على الأسواق جمالاً وعراقةً من عمق الأصالة السورية.
    أبو صالح من أشهر متجولي العرق سوس التقليديين في سوق الحميدية بملابسه الفلكلورية؛ صدرية وقميص، وسروال واسع (شروال) وقبعة، يحمل بيده الـ(صاجات) يعزف بها نغمةً مميزة: “يا عرق سوس… شفا وخمير”، فيلبي نداءه الباحثون عن مشروبٍ رخيصٍ ومفيد، يروي ظمأ الأيام الحارة، ويفيد الصحة في الأيام الباردة.
    يحمل أبو صالح دورقاً نحاسياً كبيراً على أحد جانبي ظهره، وينحني أمام الزبون على أرصفة الطريق ليسكب بعض العرق سوس في كأسٍ معدنية.
    ما هو العرقسوس؟
    العرقسوس من النباتات القديمة، إذ تعود جذور نبتته إلى أكثر من أربعة آلاف عام، وهو نبات شجري معمر من الفصيلة البقولية وينتشر في عددٍ محدود من دول العالم مثل سوريا ومصر وآسيا الصغرى، ففي سوريا ينمو على أطراف نهر الفرات وعلى خط الساحل.
    تستعمل جذور العرقسوس كمادة خام على شكل عيدان يتم تقطيعها بأطوال تتراوح بين 18 و20 سم إما للتصدير إلى شركات أدوية في أوربا أو ليتم طحنها للاستخدام المنزلي أو للسواس الذي يحضره كشراب طبيعي.‏‏
    ولعلّ من أهم أسباب عشقه وإدمانه عند الكثيرين، ما عُرِفَ عنه من فوائد صحية، فكانت الأمهات والجدات يقمن بنقعه في ماءٍ مغلي، ليتم استخدامه كمطهرٍ للجروح، وشرابٍ مضادٍ للسعال الشديد، أما في عصرنا هذا فقد ظهرت له فوائد أخرى لم يكن لنا علم بها فيما سبق.
    فوائده الصحية ومضاره:
    للتعرف بشكلٍ أكثر على فوائد العرقسوس الصحية، سألنا الصيدلي محمد وسام وعنها يقول: “يحتوي العرقسوس على عناصر معدنية كثيرة مثل الزنك والحديد والصوديوم والبوتاسيوم والبيتا كاروتين”، ويضيف :”كما أنه يحتوي على مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية مثل الفلافوندات ويعتبر مصدر لفيتامين ب1_ب2 وفيتامين هاء لذلك فهو مقوٍ عام، وله قوة فعالة في علاج التهاب جهاز التنفس”.
    ولا تتوقف فوائد العرقسوس عند هذه النقطة، بل تمتد لعلاج أمراضٍ أخرى، حيث يشير الصيدلي وسام إلى أن العرقسوس “يمتلك قوةً علاجية إزاء أمراض القرحة المعدية والتهاب الأمعاء والاثنا عشرية والقولون، ويعد عقار الكاميتداس المستخرج من العرقسوس من أفضل العقاقير، حيث تقوم مادة الصابونين بالأثر العلاجي، كما أن له قوة فعالة في علاج الروماتيزم”. إلى جانب ما سبق، يمتاز العرقسوس باحتوائه على الكورتيزون الطبيعي، والذي لا يحتاج للتخلص منه بعد الشفاء، كما هو الحال في الكورتيزون الطبيعي.
    أما بالنسبة للمضار، فهي تتلخص في الإكثار منه، كما أوضح الصيدلاني وسام، فلا ينصح باستعماله كعلاج لمدةٍ تزيد عن الشهر، وذلك لما يحدثه من أثرٍبزيادة الصوديوم أمام البوتاسيوم، الأمر الذي يؤدي بدوره لاحتباس السوائل.
    إضافةً إلى ما سبق، يعتبر العرقسوس مضراً لمرضى الكلى وضغط الدم، كما لا ينصح بالإكثار منه لدى الحوامل، لزيادته من احتمال اجهاض الجنين.

العرقسوس ورمضان:
يزداد إقبال الناس على شراب العرقسوس في شهر رمضان المبارك، حيث يرتدي باعته حلةً مختلفةً في هذا الموسم، فتكاد لا تميز أبو صالح بقميصه وسرواله العادي حاله كحال كل الباعة، ولكن يمكنك تمييزه من (أرجوزته) الحاضرة وطاولته (البسطة) التي تصطف فوقها أكياس شراب السوس.
وربما يكاد لا يخلو بيت دمشقي من إبريق السوس، فهو يتربع على المائدة كتقليدٍ شعبيٍ معروف في شهر رمضان جيلاً بعد جيل، وتزداد مبيعاته قبيل المغرب في هذا الموسم، حتى يبقى طازجاً عند الإفطار، إلى جانب تفضيل بعض الأسر إعداده منزلياً، فهو سهل التحضير، حيث لا يحتاج إلا لنبتة العرقسوس المتوفرة لدى العطارين، والماء وبعض الكربونات ويمتاز هذا الشرب عن باقي المشروبات الرمضانية بأنه مرطب مقاوم للعطش عند شربه مع السحور
السيد أحمد عبد الفتاح الدمشقي البالغ من العمر 60 عاما مولعٌ بشراب العرقسوس، وعنه يخبرنا :”لا يمكننا الاستغناء عنه، بالأخص خلال شهر رمضان المبارك، فهو يجلب الشهية بشربه أثناء الطعام، ويسهل الهضم ويعالج حموضة المعدة بشربه بعد الطعام”.
ولعل ارتباطه الأكبر برمضان سببه امكانية الإكثار منه على عكس باقي المشروبات حيث أن الكوب الواحد يحتوي فقط على 18 سعرة حرارية لعدم حاجته للسكر الصناعي أثناء تحضيره.

أتم أبو صالح الخمسين من عمره، إلا أنه ما زال متمسكاً بمهنته التي أحبها وورثها عن أبيه، لكن تبقى أمنيته أن يجتمع مع عائلته على الإفطار عند آذان المغرب أسوةً بالجميع، بيد أن طبيعة عمله تحول دون تحقيق هذه الرغبة، فلا يصل إلى منزله إلا بعد بيع لكل ما تبقى من الأكياس، ليفطر وحيداً خلف بسطته بكأسٍ من السوس الذي صنعه.