تقوم العديد من المنظمات الإنسانية بتوزيع السلل الغذائية كمساعدات- تصوير: سلمى محمد

مع استمرار عمليات التهجير القسري والنزوح هرباً من القصف الشديد، فقد الكثير من السوريين مصادر دخلهم، وصارت البطالة أمراً حتمياً يواجههم، حيث أن قلة فرص العمل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتكاليف المشاريع الباهظة أدت إلى تفشي الركود بين فئةٍ كبيرةٍ من الشباب، والذين عادةً ما يكونون الأكثر نشاطاً وإنتاجاً.
بلغ عدد القاطنين في محافظة إدلب قرابة ثلاثة ملايين شخص، خصوصاً بعد ازدياد عمليات التهجير القسري من مناطق عدة كان أولها (أحياء حمص القديمة وداريا) وآخرها (الغوطة الشرقية، مناطق القلمون الشرقي وجنوب دمشق)، حيث وصل عدد الأفراد القادمين من الغوطة الشرقية ومناطق القلمون الشرقي إلى 32538 شخص (8761 عائلة) حسب إحصائية أصدرها فريق منسقو الاستجابة في الشمال السوري في نيسان 2018.
نسبةٌ كبيرة من هؤلاء كانوا من أصحاب المهن والحرف، ذكوراً وإناثاً على حد سواء، باتوا اليوم لا يجدون فرصة عمل يقتاتون منها. منهم من تأقلم مع واقعه الجديد، تراهم يجلسون في بيوتهم بانتظار السلة الغذائية، والمساعدات، وفي المقابل لم يكن هذا الواقع مرضياً لآخرين، رفضوا البقاء في المنزل، فتراهم يخرجون صباح كل يوم لتبدأ دورة البحث عن عمل.
يحيى (30 عاماً) من سكان داريا المعروفة بكونها مدينةٌ تجارية، صناعية، زراعية، وأهلها متعددو المهن والمصالح، اضطرته اتفاقيات التهجير القسري للانتقال إلى محافظة إدلب، ليحاول من جديد بدء حياته، يقول: “بخروجنا إلى إدلب تلقينا مساعدات، كانت عبارة عن سلل غذائية ووجبات فقط!. كشاب ما زلت في بدايات عمري لست مسروراً كثيراً بالسلة الغذائية فأنا أنشد أمراً آخر، أتمنى لو أن الإعانة تكون بتمكين الأشخاص، وتأمين فرص عمل لهم، لننهض بشبابنا، ولا نترك المهجرين عالة على المجتمع”.
يرى يحيى أن تعويد الشاب على انتظار السلة الغذائية يساهم في انتشار البطالة، ويقتل به الهمة والنشاط، والأجدر أن تفتتح المنظمات الإنسانية بقيمة هذه السلل مشاريع تنموية ربحية تعود بالنفع على الجميع.
أما محمود فهو طالب دراسات قانونية في السنة الأخيرة، أجبرته ظروف السوق إلى الخدمة الإلزامية على ترك مقعده في الجامعة، ليفرَّ بعد ذلك إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، يقول: “منذ عامين وحتى اليوم لم أستطع إيجاد فرصة عمل في مجال تخصصي، الأولوية في أي وظيفة لحملة الشهادات والخريجين، وليس لديّ صنعة أمارسها!”
مشروع الأمل التنموي كان واحداً من مبادرات خلق فرص عمل للمهجرين في الشمال السوري، قدمته جمعيتي إنسان بنّاء وأم القرى للإغاثة والتنمية للمهجرين من داريا أواخر عام 2016، ويتلخص هدف المشروع بتمكين المستفيد من العمل بمشروعه الخاص دون الاضطرار للعمل كصانعٍ عند الغير.
المدير التنفيذي للمشروع محمد ديرانية قال: “نحن ننظر للسلل الغذائية على أنها مسكن للألم فقط، فهي لا تساعد بحل مشكلة البطالة، لذا كان مشروع الأمل الذي يهدف لتحويل الفرد من مستهلك يتكل على السلة الغذائية، إلى شخصية مبادرة ومنتجة وبنّاءة”.
تولت الجهة المنفذة لمشروع الأمل تزويد المشاريع بالتجهيزات والمعدات اللازمة، مع دفع مصاريف تشغيلية وأجرة المحل لمدة ثلاثة أشهر، ريثما يتمكن المشروع من تغذية نفسه، على أن يتم اقتطاع 25% من الأرباح لصالح تمويل مشاريع أخرى.
يقول ديرانية “اليوم وبعد أكثر من عام النتائج إيجابية، وحديثاّ سُلمت المشاريع للمستفيدين منها بشكل كامل، كمكافأة لمحافظتهم على العمل، ولشعورنا بكفاءتهم وأهليتهم”.
قلّةٌ من المنظمات انتهجت هذا النهج، واكتفى البعض بتقديم دورات تدريبية لتعليم بعض الحرف كالخياطة والصوف وصنع الحلويات، فهل يسعون إلى خلق واقعٍ إغاثيٍّ جديد تكون فيه السلة الغذائية على الهامش، ويحصل فيه المهجرون والسكان المحليون على فرصٍ عملية حقيقية؟.