من دورات محو الأمية في إدلب- تصوير حنين السيد.
من دورات محو الأمية في إدلب- تصوير حنين السيد.

يعاني قرابة المليار نسمة في هذا العالم من الأمية، وتشكل النساء ثلثي العدد الإجمالي للأميين في العالم بحسب إحصائيات منظمة اليونسكو.
في العالم العربي تراوحت نسبة الأمية ما بين 19% إلى 27% من إجمالي السكان، أكثر من 60% من بينهم نساء، بحسب المصدر عينه، وتزداد نسبة الأمية في مناطق النزاع، ففي سوريا ترزح الكثيرات تحت وطأة الجهل، سواءً من الفتيات الأصغر سناً واللواتي نشأن في ظل الحرب، أم من النساء الأكبر ممن لم تسنح لهن الفرصة للتعلم، لتشكل مبادرات محو الأمية ثورةً حقيقيةً في حياتهن.

في ريف إدلب الجنوبي، قامت العديد من المنظمات الإنسانية والمبادرات المحلية على إعداد برامج تدريبية لمحاربة الأمية، واستجابت الكثير من النساء لهذه البرامج، ما رفع نسبة النساء القادرات على القراءة والكتابة، وأتاح لهن فرصة العمل في مجالات عدة.

عيني عينك التقت بـ أم محمد وهي إحدى النساء اللواتي حرمتها الظروف الاجتماعية والعادات في بيئتها الريفية من حق التعلم، لتبقى حبيسة الأمية ستين عاماً. تجاعيد وجهها لم تثن عزيمتها عن الالتحاق بإحدى الدورات المقامة في بلدة “معرة حرمة” والتي مكنتها من تعلم القراءة والكتابة، وفي لقاءنا معها قالت: “وأخيراً تحررت حروفي، كأنني كنت حبيسة الظلام وخرجت الى النور” ليس ذلك فقط إنما أخذت أم محمد تعلم أحفادها الصغار ممن لم تسمح لهم ظروف الحرب الالتحاق بمدارسهم، كما بدأت بحفظ القرآن الكريم وتجويده وحصلت على شهادة تقدير من القائمين على تعليم القرآن في البلدة لتفوقها في ذلك كأكبر امرأة قادرة على التجويد والقراءة بطريقة سليمة.

وكأم محمد هناك الكثيرات من النساء اللواتي يعانين من الأمية، حيث وصلت نسبة الأمية بين البالغين في العالم إلى 17%، دون وجود أرقام مؤكدة حول ما تشكله سوريا من هذه النسبة، وإن كانت كبيرةً دون شك.

في المقابل، يبلغ عدد الأطفال خارج مقاعد الدراسة 67.4 مليون طفلاً في العالم، حيث أن ظروف الحرب كانت ولازالت العامل الأكبر في انتشار الأمية بشكل واضح، ففي تقرير صدر عن منظمة اليونسيف، وصلت أعداد الأطفال السوريين الذين اضطروا لترك مدارسهم جراء تدميرها أو هروبهم من مناطقهم، أو حتى دخولهم سوق العمل لإعالة أسرهم، تجاوز الـ 2.8 مليون طفل، وبهذا انخفضت نسبة الأطفال الملتحقين بما يسمى بالتعليم الأساسي من 98% عام 2011، إلى 70% عام 2014، حتى تراجعت بشكل أكبر إلى 50% عام 2015 مع تصاعد الحملات العسكرية التي يشنها النظام.

ندى الحموي من مدينة حلفايا نزحت الى ريف إدلب الجنوبي عندما كانت بعمر الثامنة، تخضع بدورها لدوراتِ محو الأمية، وعن تجربتها تخبرنا: “كان الوضع جديداً علينا، ولم ألتحق بالمدرسة لأن أمي تخاف عليّ والمدرسة مهددة بالخطر”.
فقدت ندى والدها عندما أتمت الخامسة عشر عاما، وأجبرت على البحث عن فرصة عملٍ لتعيل أخوتها وتساعدهم على العيش بكرامة، وبقيت الظروف تحول دون تعلم ندى، حتى باتت تجهل قراءة أية عبارة، مهما بلغت من السهولة والبساطة، الأمر الذي انعكس بدوره على فرصها في إيجاد عمل يناسب سنها الصغيرة، رافضةً الالتحاق بدورات محو الأمية في بادئ الأمر، إلى أن أدركت أهميتها بالنسبة إليها، وعن هذه التجربة تخبرنا: ” كنت أشعر بالحرج الشديد بداية التحاقي بالدورة، الا أن حاجتي الشديدة للتعلم وتشجيع الأخريات لي دفعني للاستمرار وإتمام جميع المراحل، اليوم أنظم الدور للمريضات في عيادة خاصة وأحصل على معاش يعينني وأسرتي”.

بدورنا التقينا مع الآنسة سوسن الطويل الميسرة لجلسات محو الأمية في مركز (نقطة بداية)، والذي يستهدف شرائح مختلفة من النساء، وأشارت الطويل إلى أن عدد المستفيدات في الدورة الأخيرة وصل إلى عشرين امرأة، تراوحت أعمارهن ما بين الثامنة عشر والستين عاماً.

بالرغم من المبادرات الكثيرة، إلا أنها تبقى عاجزةً عن تغطية الحاجة الضرورية لمحو الأمية بين السوريين، سواءً البالغين والأخص بين النساء، أو للأطفال الذين حرموا من حق التعلم جراء الحرب، وتتشعب تعريفات الأمية المعاصرة، فلم تعد مقاييسها تنحصر في الكتابة والقراءة، بل بات فقدان بعض المهارات “أمية” وأهمها القدرة على الوصول إلى البيانات واستخدامها بواسطة المصادر المتعددة أو ما يسمى بالثقافة المعلوماتية والتي تعنى بتطوير المهارات التي تسمح للأفراد بفهم تدفق الأفكار من خلال التكنولوجيا.
ويذكر أن الأمم المتحدة تحتفل باليوم الدولي لمحو الأمية في الثامن من سبتمبر أيلول من كل عام، تركيزا منها على دور محو الأمية في تمكين المرأة وما لذلك من عائدات انمائية كبيرة.
ليبقى السؤال، هل ستستمر المرأة السورية في التحرر من سجن الأمية أم أن ظروف الحرب ستحول دون ذلك؟ وهل سيكون هناك متسع للقضاء على الأمية التكنلوجيّة أم أن الطريق لايزال بعيدا؟