صورة لإحدى المدارس المقصوفة في ريف دمشق-شباط-٢٠١٨

أركض نحو النافذة علّي أفهم ما يجري حولي، أصوات الأطفال تعلو رويدا رويدا، غارة جديدة تسكت ضجيجهم الصباحي اليومي وهم يتجهون نحو مدارسهم القليلة، والتي لم تزل تعمل حتى اليوم، سنوات من الحصار والجوع فرضت تعطيلاً عمّ كافة مفاصل الحياة، بما فيها المدارس والمعاهد والجامعات.

لم تكد تبدأ امتحانات الفصل الدّراسي الأول حتى اشتدّ القصف في كافة بلدات ومدن الغوطة الشرقية، وامتدّ ليطال المدارس والطلاب بآلته الحربية التعسّفية، ويهدّد حياتهم بالخطر، مما دفع بمديرية التربية والتعليم في ريف دمشق تحت وطأة القصف الوحشي لاتخاذ قرار عاجل بإيقاف العملية التعليمية بمراحلها كافة احتجاجاً على قصف المدارس والمنشآت المدنية والطبية ومنازل المدنيين في بيان أصدرته في 7/2/2018.

فيما وثقت هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية تعرّض 34 مدرسة بشكل جزئي و11مدرسة بشكل كلي للتدمير والخروج عن الخدمة، في حين بلغ عدد الشهداء من الطلاب والكادر التدريسي 10 شهداء و16 جريحاً ما استدعى إيقاف العملية التدريسية في جميع مدارس الغوطة الشرقية البالغ عددها 253 مدرسة وتأجيل امتحانات 57132طالباً وإيقاف عمل 8466 مدرساً في الغوطة.

ويبقى الطّالب في حيرة من أمره، أمام قرار الامتحان المُعلَّق، وتتمة المحاضرات المقررة والتي أُلزم الطلاب بدراستها لوحدهم، وتحمّل صعوبتها، والمعاناة في حفظها.

وعلى الرغم من اتّباع الأساتذة استراتيجيات كثيرة لتجاوز المرحلة، بما يسدّ ثغرة الانقطاع، تبدأ من إنشاء مجموعات على وسائل التواصل لمتابعة محاضراتهم ومحاولة تيسيرها للطلاب، وتنبيههم إلى أهم الأشياء، وتلخيصها، ومتابعة الواجبات، وتلقي أسئلتهم، والإجابة عنها، في ظل انقطاع الدوام، والعجز عن مواصلة التعليم مباشرة.

إلّا أنّه يبقى على الطّالب العبء الأكبر في تحمل كل الظروف المحيطة المتأزّمة بشكل تراكميّ، فحيناً تنقطع وسائل الاتصال، وحين ينفذ شحن الأجهزة، وحيناً لا يتوفر الكتاب ورقياً، ممّا يسبب له ضغطاً نفسياً حادّاً، ويضع أمامه العديد من العقبات والتّحديات، في تعليمٍ شبه افتراضي من نوعٍ آخر، حيث يعجز الأستاذ عن الاجتماع بطلابه، ويعجز الطّلاب عن الوصول إلى كلّياتهم، ومعاهدهم في مدينة واحدة، قطعت الحرب أوصالها، وتباعدت المسافات فيما بينها.

ليبقى قرار الامتحان مُعلَّقاً، يشوبه الكثير من الخوف من تبعات إجرائه وسط تواصل آلة القصف، والضرورة المُلحَّة لإجرائه بما لا يشكل عائقاً أمام استمرار العملية التعليمية التي يهدف النظام إلى ضربها في انتهاج واضح لتدمير مستقبل الطلاب في الغوطة المحاصرة.

وليس ببعيد ذاك اليوم الذي تقرر فيه الدوام باكراً، إذ استهدفت قوات النظام مدينة دوما بغاز الكلور السام فجراً، وأردفتها بسيلٍ من القذائف والصواريخ أوقف فيها كل شيء من جديد.

إحدى القذائف استهدفت بيت نور مخلّفةً دماراً جزئياً مما اضطرها وأهلها إلى اللجوء إلى الأقبية، وسبب لها ضغطاً نفسياً أمام محاولات إتمام المحاضرات التي قُرّرت عليها لتقديم امتحان قد يصدر قراره بأيّة لحظة هدوء طارئة.

بنبرة غاضبة كانت تمتم:” كيف لي أن أدرس؟!! وأصوات القصف لا تهدأ… وكل قذيفة تقع تظن أنها عليك…ما إن أفتح دفاتري حتى أتركها بسرعة خوفاً أن تصيبني إحدى الشظايا…أصوات القصف… وأجهزة الإنذار…وسيارات الإسعاف…وغارات الطيران…. وشهيق الصّواريخ…. والبقاء في الأقبية مع ذاك الضجيج يسبب لي معاناة لا توصف…لا أستطيع المتابعة!!!!”…تغلق دفاترها وتلوذ بالبكاء: “لا أحد يشعر بنا!!!”.

نور طالبة جامعية وهذه السنة الأولى لها على مقاعد لم تكمل بها محاضرات الفصل الأول بسبب الأوضاع الرّاهنة، بين تأجيل للامتحان، وإيقاف للدوام، في ظل ظروف عصيبة لا يشعر بها إلا من عاشها.

قد يبدو قرار تأجيل الامتحان والدوام عادياً، أو ضرورياً مُلحّاً، لكنّه في ظلّ استمراره، وتراكم تبعاته، لا يخلو من انعكاسات سلبية على نفسّية الطّلاب، أمام تشتّتهم وضياعهم بين فوضى تلك الإجراءات التي وإن كانت تستهدف أمنهم وسلامتهم بالدّرجة الأولى، إلّا أنّها محفوفةٌ بالحزن والأسى على واقع يحرمهم من التّمتّع بحقّهم في التّعليم دون خوفٍ، ودون انقطاع.