صورة تعبيرية بعدسة المدونة سلمى محمد- إدلب - ٢٠١٨
“والله عانينا كتير، الحكي مو متل إنك تعيشي يلي عشناه، تخيلي ماشيين على حافة جبل وتحتنا وادي، ما بنقدر نمشي بالعرض، إذا فتلت يمين أو يسار بصير تحت. بنتي عمرها خمس سنين ماسكتا بإيدي، وإذا بالغلط تركتها يعني خسرتها”. بهذه الكلمات بدأت تسرد لي أم عماد قصة خروجها إلى تركيا مع زوجها وبناتها الثلاث.  
لم يعد خافياً على أحد صعوبة العيش في سوريا، كثيرون أجبرتهم الظروف على التفكير بترك الوطن، مع أن ذلك لم يكن في بالهم أبداً.
اختار البعض الهجرة باتجاه تركيا للاستقرار هناك وإيجاد عمل يؤمن لهم الحياة الكريمة، ومنهم من اتخذ منها محطّةً أولى لينطلق إلى أوروبا.
رائدة (26 عام) تقطن دمشق: “كانت أمورنا بخير حتى تم سحب زوجي للاحتياط”.
ما إن سنحت له الفرصة حتى انشق واتجه إلى تركيا، وأُرغمتْ على اللحاق به مع جنينها وطفليها الصغيرين.
“كان الأمر صعباً، بقيت أربعين يوماً في إدلب متنقلةً من بيتٍ لآخر عند أشخاص لا أعرفهم، حاولت السفر خمس مرات، عدت بإحداهن من منتصف الطريق بسبب وجود صخور كثيرة، فأنا حامل بالشهر السابع ولن أستطيع المرور به، أصعب موقفٍ مررت به، صراخ المهرب عليّ عندما كنت أقف لأرتاح قليلاً بعد قطع مسافاتٍ طويلة، فتوقفي يؤخر الرحلة على حد قوله”.
إن فرض الدولة التركية إجراءات صعبة بحق اللاجئين السوريين، طلب فيزا، وإيقاف لم الشمل، والسماح بدخول المعابر البرية للحالات المرضية الحرجة، هو ما دفع الناس للتوجه إلى الطرق غير الشرعية (التهريب)، الدخول النظامي يحتاج إلى (واسطة)، ودفع مبالغ مالية كبيرة تصل أحياناً إلى أكثر من ألفي دولار للشخص الواحد.
تصل الكثيرات إلى تركيا بعد أن يتجرّعن وأولادهن مرارة الطريق، خاصةً الرضع الذين تضطر أمّهاتهم إعطائهم أدوية منوّمة لها مضارّها على صحتهم، لكن الخوف من إمساك الجندرمة التركية بهم
وإعادتهم إلى سوريا يدفعهم للقبول بأمور لا يفعلها إلا من فقد عقله من تسلّق الجبال، المنحدراتُ الزلقة، والنوم في الغابة بانتظار سيارة النقل، التعرض لإطلاق النار، ناهيك عن القفز من فوق الجدار الذي يرتفع حوالي أربعة أمتار، والذي يعدّ انتحاراً بحد ذاته!
أم عماد: “المهرب بيكذب علينا إنو المسافة قليلة، والطريق آمن، فجأة الكلاب البوليسية بتصير حوالينا، وبيبدأ إطلاق النار. آخر محاولة كانت صعبة كتير، نطلع الجبل ولما نوصل للقمة نزحط من الطين، ويصيرو الرجال يرفعونا لنقدر نكمل، بنزول الوادي بدك تزحفي على القاعد لأنو ما بتقدري تمشي، فجأة فقدت بنتي، جنيت حتى لاقيتها، حلفت اذا ماقدرت اطلع هي المرة ماعاد فكر بالسفر نهائياً، بعد مشي ست ساعات حطونا تلاتين شخص بسيارتين، ما بتوسع الوحدة أكتر من ست أشخاص!
كل ما اتذكر هاد اليوم بكره الدنيا كلها”.
بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في تركيا مليونين و957 ألفاً وفق ما أعلنته المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية، حسب وكالة الأناضول.
غالبية هؤلاء اضطروا أن يسلكوا الطرق غير الشرعية، وكان للنساء والأطفال النصيب الأكبر من المعاناة.
مرَّ على هذا الطريق عشرات الآلاف من الأقدام السورية التي تنشد الحياة والأمان في مكانٍ ليس الأفضل بالنسبة لها، ولكنه الخيار الوحيد أمامهم بعيداً عن أصوات القصف، والطائرات، والدمار…