صورة لتهجير أهالي داريا بعدسة المدونة سلام الشامي- داريا- ٢٠١٥

تغريبة سورية كتبت فصول حلقاتها أياد خارجية رسمت خريطة جديدة للعالم كأنما مناد يناد بالناس قوموا الى قيامتكم احملوا اغراضكم وانصرفوا، انتشروا في أصقاع الأرض حيث تشاؤون اسلكوا البحار والصحاري تسلقوا الجبال واعبروا الأسلاك الحدودية ابحثوا عن وطن جديد أما أنتم أيها المحاصرون فأمامكم خياران إما الموت في ظل القصف والجوع أو الركوب في باصات التهجير الخضراء المعدة لنقلكم إلى المخيمات.
هذا حالنا بعد أن فتك بنا الحصار وهجرنا من أرضنا حطت رحالنا في الشمال السوري وصلنا الى مخيمات متوزعة بين جبال ووديان. توقفنا أخيراً بعد رحلة شاقة جلبنا أمتعتنا أدخلنا غرفة معدة للعائلات أغلق بابها علينا جلسنا نتأملها يا إلهي! ماذا حصل ؟ أين نحن الآن؟ راودتني تخيلات سوداوية كثيرة ماذا بعد؟ هل سنعيش في غرفة بائسة هل سنكمل حياتنا بين أربع جدران تعصف بها الريح وتلفحها أشعة الشمس الحارقة في وقت الظهيرة؟ لماذا تركنا مدينتنا؟ أين الطائرات التي كانت تقصفنا ؟هل بقيت لتقصف المدينة التي خلت من سكانها ؟ أم انتهت مهمتها بعد تهجيرنا ؟ هل ستكون هذه الغرفة عوضا عن بيتنا الذي تركناه ؟ أعتقد أنها لا تصلح للمعيشة هل ستتسع لعائلة من سبعة أشخاص ليس هناك ما يوحي بملامح بيت ففي زاوية الغرفة أكياس تحوي بعض المعلبات لربما هو المطبخ بجانبه بعض الصابون والمنظفات والاسفنجات المعدة للنوم كل ذلك حشر في أركانها المتواضعة وقفت على بطانيات المعونة لأصل إلى نافذة الغرفة التي كانت كنافذة السجن مرتفعة وصغيرة تتسرب منها أشعة الشمس لتعكس صورة قضبانها الحديدية على الأرض الإسمنتية المتشققة وددت أن أعرف أين نحن الآن إنها أراض واسعة صخرية تحيط بها مرتفعات جبلية زاد ذلك من بؤسي لا حياة هنا سوى حياة النزوح، لا بيوت ولا دكاكين سوى هذه الاقفاص المرتبة في صفوف متتالية، يحمل كل منها رقما وغير بعيد منها غرف أصغر منها مختلفة قليلا، حاولت أن أعرف ما تكون لقد تبين لي أنها حمامات مشتركة لسكان المخيم، قسم للذكور وآخر للإناث تركت النافذة كأنما أحاول أن أبحث عن شيء ضاع مني لم أعرفه، بدأت أتلمس أي ملامح مواسية في وجوه عائلتي وإذا بالجميع صامتون وكأن ما أفكر به يجول في خلد كل منهم وددت أن أبكي..
طرق الباب.. من سيأتي؟ نحن من المنظمة الاغاثية وهذه وجبة طعامكم رفض أخي أن يأخذها فلا أحد منا يستسيغ أي طعام الآن لم يعر ذاك العامل اهتماما لرفضنا، فالالاف على حالنا والمأساة أصبحت اعتيادية، غادر بها بهدوء ليطرق باب الغرفة التالية.

لم يتوقف الباب ذاك اليوم .طرقه عاملو المنظمات مرات ومرات ليعطونا حصصا كتب في جداولهم أنها خصصت لنا في يوم وصولنا ربما حسدنا النازحون القدامى على الكمية الكبيرة من المساعدات التي خصصت لنا، أما نحن كنازحون جدد فقد وجدنا فيها من المر مايعادل العلقم، ربما ذهبوا يطالبون بحصة مماثلة لحصتنا لا ذنب لهم، فالسجين القديم اعتاد على زنزانته أما حديث العهد فهو بحاجة للوقت كي يعتاد القفص.
أعيدونا إلى بيوتنا تبا لعالم متآمر علينا تبا لدول تستلذ في عذابنا، أخرجونا من هذا الواقع قولوا لنا إن ما يحدث أضغاث أحلام وأننا سنصحو منها عما قريب.
لا أمل في ذلك ..
فالباصات عادت من جديد لتجلب سجناء جدد إلى تلك الأقفاص بين هذه الصخور .