صورة تعبيرية عن حملة لدعم تعليم أطفال الغوطة بعدسة المدونة نسيم عبد الرحمن- الغوطة الشرقية- كانون الثاني- ٢٠١٨

قد تضيق المدنُ بحصارها، جرحاً على جرحٍ، وسنة بعد سنة، لكنّها تتّسعُ …ليبزغ في ظلمائها صوتٌ خفيٌّ ينادي” إنّي أنا أخوكَ فلا تبتئس”، صوتٌ يطوف على أوجاعكَ، يلملم آهاتك، يشدّك إليه، يهزّكَ، يضمّك، وينحني يقبّلُ ساعديك، ويهمسَ في صفاءٍ : إنّي معكَ فلا تحزن، ولا تنطفىء، فسراجُ عينيك  لازال برغم رماده يتوهّج، لن يخبو …تعال معي …يدي بيدك لنتقاسم هذي الطريق وجعاً وقصفاً وحصاراً ….وانتصارا….

في غوطتي  قد تبدو الصور سوداوية، مأساوية،  معتمة، صامتة بما يشوبها من دخان ونيران، وأعينٌ تحدّق في الفراغ خاوية، خائبة، إلّا من فُتاتِ الأمس، وخيبات الانتظار في بقعةٍ منفيّة، منسيّة، تتجرّع غصص الحرب والحرمان يوماً بعد يوم.

ثمّ لا يلبث إلا أن يكسرَ الأملُ قيدَه،  في مخاضٍ عسير، بين زخم الرصاص، تحت الأنقاض، فوق الحطام، ويمدَ يده لينتشل الحياة مرة أخرى، ويمسح عن جبينها ذاك الشقاء….

شقاء الفرار من الموت، والبحث عن حياة…

هنا على شفا صرخة مخنوقة، ينكسر صداها على أعتاب مجتمع دولي يغض الطرف عما يجري من انتهاكات ومجازر بحق الإنسانية، تلتئم الغوطة بسواعد أبنائها من جديد، لتعيد سيرتها الأولى، بذاك الشغف الذي يملأ كل يأس، ويطوي كل خيبة، ويذكي روح الثّورة كلما أوشكت أن تخمد نارها.

هنا …من منصة التعليم إلى منصة دعم المنكوبين، الهاربين تحت جنح القصف، لم يجد المعلم نفسه إلا وهو يمدّ يده ليشدّ عضد أخيه، على قلّة ما يملك أمام هول ما يجري.

مبادرة عفوية، ذاتية، أطلقها معلموا الغوطة الشرقية في أوج المحنة، في صورة تجسد قلباً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

لم تكن حرستا وحدها، ولا عربين، ولا مديرا، ولا المرج، بل كانت الغوطة معاً، تنزف ذات الجرح، وتداوي بعضها بعضاً.

فلنساهم، ولنحييها، تلك الكلمات كانت تضج على الأسماع، فتغريها، وتفتح  أبواب المساهمة بما استُطيعَ إلى ذاك سبيلاً.

ولأول مرة التقى الجميع على اختلاف انتماءاتهم ومؤسساتهم في عمل تطوعي خيري لايد لأحد فيه بما يكسر شوكة الانقسام

كان العمل أشبه بجبهة حقيقية تنافح لأجل حياة لا يمسسها بؤس أو شقاء.

هنا …حيث جحيم القصف لا يرحم، والكثير من العائلات تركت بيوتها خوفاً، أو التجأت إلى أقبية تلفحها برودة الشتاء، وأنين المرض والجوع، هرع  الجميع إلى المساعدة، نجدةً وإخاءً، بينما كانت حمم القصف تقطّع أوصال الغوطة، بل حتى أنها تشل الحركة فيها ساعات طوال.

هنا…تحت غطاء الحرب كانت المدارس تجمع مساهماتها في منافسة حقيقية، رغم كل التحديات والعوائق، إلا أن إيماناً خالصاً حثّ الجميع  على البذل، لتبقى الغوطة كما عهدناها عصية على كل كسر، واحدة، لا شرقية، ولا غربية، توشك ثورتها أن تضيء، ويوشك ليلها أن ينجلي….