لم يكن لقائي بها عن موعد كان محض صدفة

في قاعة الانتظار بعيادة طبيب الأسنان سيدة في عقدها الخامس لهجتها ولباسها يدلان على أنها من دمشق علمت بانها مهجرة وكالعادة الفضول سيد الموقف الأن والسؤال المتكرر هو كيف كانت حياتكم في سنوات القصف والحصار؟

“كنا نعيش حياتنا المدنية كما كل العالم”

بدأت تتحدث عن زواج ابنتها التي خطبت قبيل حصار داريا بشهر حيث طالت فترة الخطوبة حتى تجاوزت الثلاث سنوات والعروسان يكتويان بنار الشوق ولكنهما يطمعان بعرس تقليدي يخضع لبروتوكولات العادات والتقاليد، وأنى لهم ذلك في بلد محاصر قررت العائلة  تزويجهما أخيرًا، لا تخفى الصعوبات والعوائق في تجهيز بيت العروسين وتجهيز العروس  وحفلة الزفاف  فبراميل النظام وقذائفه لم تبق سوق أو دكان يبتاعون منه حاجياتهم.

رمم العريس ما استطاع ترميمه من بيت أهله الذين نزحوا مع بداية الحرب وأصلح ما يمكن إصلاحه من أثاث المنزل، أما في بيت العروس فقد اجتمعت الجارات وتفقدن حاجيات العروس ثم انتشرن في بيوت أقاربهن حيث لم يبق باب لبيت في المدينة إلا وطيره القصف وحطمه فأحضرن  كل ما يلزم من ثوب الزفاف والملابس والمكياج والعطورات.

“فرحة ابنتي لا توصف”

أصبح كل شيء جاهزًا خلال عشرة أيام وبقي تحديد موعد الزفاف وتجهيز الحفل، تقول: “حاولت إقناعهم بعدم ضرورة الحفل فلا أهل ولا أقارب والقصف لا يكاد يتوقف والاجتماع يشكل خطر ولكن لم أفلح فالجميع يتأهب للحفل، الأصدقاء والجيران وشباب الجبهات الكل يرى فيه تحطيم للأكدار التي جثمت على القلوب لسنوات وخروج من حياة الحرب البغيضة إلى الحياة المدنية التي أصبحت في ملف الذكريات الجميلة  التي قلما يدخلون عليها لما ألم بهم، تتابع السيدة: “لم ادع أحد للحفل خوف تعرضهم لأذى واكتفيت بالجيران”، ولكن تأبى البلد التي تقاسم أهلها الآلام وشظايا البراميل ألا يتقاسموا الفرح أيضًا، “اشترينا برغل ودجاجتين بثمن باهظ أذكر يومها أن الدجاج لم ينضج  لكبر سنه وعجفه لم يكن الطعام بالكثير الكافي ولكن تعودنا ألا نشبع:” لم يجدوا  مصففة شعر فقامت أختها بتصفيف شعرها وتزيينها وقد أبدعت بذلك فأصبحت بعدها مصففة الشعر الوحيدة مجانا في المدينة  

تتحدث السيدة عن فترة زمنية كان نصيب المدينة أكثر من ثمانين برميل باليوم وعرس في تلك الأيام!

ودعت الشمس سماءهم مع انتهاء دوام الطائرة المسائي فأقبلت النسوة أفواجًا إلى بيت العروس  يرسمون بخطاهم وأصوات ضحكاتهن أروع صورة للتحابب والتلاحم والتعاطف: “استقبلهم وأبش بوجههم  ولكني أتللون خجلا فهذا العدد ليس بالحسبان”. امتلأ المكان حتى فاض بالضيوف وبدأت خواطر الخوف من مصيبة قد تقع  فموعد البراميل قد اقترب، وبالفعل عادت الطائرة على موعدها وارتفع صوتها فارتفعت أصوات الفتيات تخفي صوتها عن العروس حتى لا تفسد فرحتها وبدأن يرقصن ويراقصن العروس ويصدحن بالزغاريد مع صوت نزول البرميل فيختلط صوته بصوت الزغاريد فبالكاد يستطيع أحد تميز صوته المرعب.

استمر الاحتفال على أنغام البراميل كما كنّ يصفنه، لم تكن الضيافة كافية لعدد الضيوف ولكن لا مشكلة فقد دخلت إحدى الحاضرات المطبخ بعد أن أحصت عدد الضيوف وأعادت تقسيم الحلو على عددهم، وكما العادة ساعات الفرح تمضي بسرعة ونحن في ذروة نشوتنا بها: “لم تشهد المدينة فرح كذاك الفرح فقد توجه الشباب بعده  للخطبة والزواج  فلا يكاد يخلو أسبوع للمدينة بدون فرح أو فرحين يشترك الجميع بتنظيمه وإحيائه ومن ثم انتشرت الأعراس الجماعية وذلك تخفيفا لنفقات الضيافة بسبب الحصار، يظنون واهمين أن المحاصر يقضي وقته منتظراً أن تفتح بوابة الفرج ليتحرك، ويتابع دوره.وهو في بكاء دائم

لو يعلمون كم تعمل العقول الثائرة في قلب الحصار، كم تتحدى الموت والجوع والخوف والقلق بكثير من الحياة والعلم والشجاعة والأمل.