صورة تعبيرية بعدسة المدونة سلمى محمد- إدلب- كانون الثاني ٢٠١٧

رأيتها تذهب وتجيء في الشارع تمد يدها طالبةً العطية من المارة.

صادفتها مراتٍ عدّة على نفس الحال..

كل يوم منذ الصباح وحتى المساء، دون كلل أو ملل، تجوب شوارع المدينة بردائها الأسود البالي، علّها تجد من يكون رؤوفاً بامرأةٍ قد تجاوزت الستين من العمر.

لطالما تساءلت ما السبب الذي يدفع امرأةً في مثل هذا العمر على اتخاذ التسول مهنةً لها؟ ألم تجد عملاً أكثر كرامةً من سؤال الناس العون؟

كانت تتردد بانتظام على محل والدي، -فهناك تجد جمعاً من الناس يمكنها طلب المساعدة منهم، هذا ما شجعني لألتقيها وأبحث عندها عن جوابٍ للسؤال الذي كان يدور في خَلَدي.

تحاول أن تواري بابتسامتها المصطنعة عيناها الغائرتان اللتان لا تنبئان عن أي حياة، وتلك التجاعيد المغطية لوجهها، والتي تروي حكاية قهرٍ خطّها الزمن حفراً وأخاديد.

“بينادوني أم ماهر، من حلب، عندي خمس أولاد، أربع بنات وصبي”

“كنت ضحية للحرب.. تحاصرنا بحلب، وبعدها فقدت زوجي وزوج بنتي، تهجرت من بيتي، ولقيت حالي مع ولادي الخمسة وأحفادي ببلد غريب ما النا حدا فيه، بدون معيل وبدون مأوى، ما لنا غير رب العالمين.

المعتر بيبقى معتر طول عمره، زوّجت بنتي لأفرح فيها، رجعتلي أرملة مع ولدين معهم سوء تغذية، ابني الوحيد معه روماتيزم، وأنا معي شلل بإيدي.

المعيشة صعبة وكل شي غالي، أجار بيتي 15 ألف، إذا تأخرت بالدفع كم يوم بيجي صاحب البيت بيهددني اذا ما دفعت فوراً رح يطالعني ويأجره بعشرين ألف،

أبسط طبخة عم تكلف باليوم حوالي 1000 ليرة، يعني بدي بالشهر 30 ألف بس أكل!!، عدا عن الأدوية يلي ما بيقدر ابني يستغني عنها، وولاد بنتي بحاجة حليب خاص، كل 5 أيام بدهن علبة، وسعر العلبة 2800 ليرة.

الظروف القاسية جبرتني انزل على الشارع واطلب من الناس، أساساً ماعندي غير هاد الخيار، صحتي ما بتساعدني اشتغل أي عمل مهما كان بسيط، إيدي مابقدر ارفعها لفوق ولا حتى بقدر شيل فيها شي تقيل، اذا حدا عطاني ربطة خبز مابقدر احملها لوقت طويل، لهيك بتركها عند أبوكي بالمحل للمسا، بمر باخدها أنا وراجعة على البيت.

يا بنتي ماحدا بيقبل يحط حالو محل سخرية واستهزاء بين الناس، كتار بيتمسخرو وما بيصدقو اني بحاجة للمال فعلاً..
في شباب عرضوا عليي 100$ بالشهر، مقابل ابقى بالبيت وما ذل نفسي للناس وأنا رفضت، لإنو 100$ ما بتكفي أكل وأجار بيت، من وين بدي جيب حق الدوا والحليب، ودفع كهربا وغيرها من الأمور الضرورية التانية!!”

توقفت أم ماهر عن الكلام، ودعتني وهمَّت بالرحيل، وتركتني متسمرةً بمكاني، تدور عجلة ذاكرتي نحو الخلف، إلى اللحظة التي تساءلت بها لمَ لم تجد هذه المرأة عملاً أفضل يحفظ لها كرامتها، وها أنا ذا قد وجدت الإجابة، ويبقى السؤال. أين هي المنظمات الإغاثية العاملة مع هذه الشريحة المعدمة من المجتمع.