صورة تعبيرية- حمص- الوعر- ٢٠١٧

يدقُ هاتفي معلناً أنني تأخرت، اعتاد أصدقائي هواية التأخير في المواعيد وإن كانت تثيرُ غضبهم في بعض الأحيان أو أغلبها، لكنهم اعتادوها. وهذا مايجعلني أمشي في الشارع بكل هدوء وسلام كما انني لن أحزن أبداً إن استوقفني أصدقاء الثرثرة أو مشهد أحببت تصويره.

وأنا في الطريق إليهم كما كل يوم أتذكر قارئة الفنجان تلك التي تفحصّتني في عينيها بغضب بعد أن قهقهتُ عالياً وبصوت صاخب جداً.

لم أؤمن بالفنجان يوماً ولا بقراءة فأخبرتها أن تعذرني وهممت بالإنصراف، كانت قد قالت يومها بأني سأصادف ثلاث حراس مستلّي السيوف، سيرافقوني طريقي وسيحاربون لأجلي، سينسوني مراراتٍ سابقة وأخرى قادمة.

اعتدت الوحدة حينها فمعظم أصدقائي قتلوا أو اعتقلوا أو رحلوا فعن أيّ حراسٍ تحدثني؟! من ذا الذي سينسيني المرارات!
و من فرطِ حزني لما سبق اكتفيت بالقهقهة والرحيل.

لن أطيل الحديث بيني وبين نفسي كثيراً ولا استطيع ذكر الصدف التي جمعتني بأصدقائي الثلاثة الذين اجتازوا اختبارات الزمن واستطاعوا احتلال قلبي والاستحواذ على معظم حياتي.

سأوقفكم عند مفهوم الصداقة ذاك الذي أثبت أنه الوحيد الذي تغلب على الحرب المشتعلة في بلادنا.
كيف لا وقد استطاع الأصدقاء أن يخففوا وطأة المعاناة عن بعضهم على مر السنين فمنهم من تقاسم جرعة الألم ومنهم من اجتزأها وبعضهم يعيشون في نفس المدن والظروف وآخرون يتقاسمونها على وسائل التواصل الاجتماعي.

أعود لأفكر، كيف اعتدت أنا وأصدقائي ظروف الحصار واعتدنا الموت والضحك والبكاء.
اعتدنا كل شيء وتقاسمناه حتى رغيف الخبز المصنوع من البقوليات تقاسمناه.
كم من الوقت مضى ونحن نتقاسم الأشياء معاً، تلك الأشياء التي جعلت منّا أشقاء والتي جعلت من المعاناة أضحوكة يسهل قتلها معنوياً.

أذكر يوماً دامياً كان دخان القذائف فيه يعمّ السماء عندما جائوني حفاة القدمين فاستقبلتهم مستغربة قدومهم فقالوا لي: خفنا عليكِ.
وأذكر مرة كم كنت أشتهي فنجان قهوة وكم كان الحصول عليه صعباً وكيف استطاعوا جلب القليل منها واحتسيناها سوياً
ومراتٍ عديدة عندما جعت وعندما عطشت ولما حزنت ولما ضحكت.
كلها تشاركتها معهم.
وأذكر مرة أخرى أنني سأتهجّر قاب قوسٍ أو أدنى وأحزن لفراق منزلي لكنني لا أحزن أنهم سيرافقوني طريق التهجير مجدداً
كما أذكر أيضاً أننا سنواجه كل مصاعب المستقبل معاً وما أجمل كلمة معاً.

أعود للضحك مرة أخرى وأكمل الطريق، أقول لذاتي كم أنا محظوظة بهم هؤلاء هم أخوتي وأصدقائي وربما كانوا”حراس الفنجان”.

مشاركة
المادة السابقةشام
المادة التاليةبدنا دفا
جودي عرش
أنا من مدينة حمص خرجت إلى ريف حلب الشمالي في عملية تهجير قسري، عملت كمصورة فوتوغرافية مع وكالتي رويترز والأناضول وعملت ككاتبة صحفية ومراسلة لجريدة عنب بلدي كما أعمل الآن مراسلة تلفزيونية لتلفزيون أورينت نيوز.