صورة رمزية - بعدسة المدونة حنين السيد - إدلب - كانون الثاني 2018

رحل أبي مع ستة من أصدقائه، تصدوا لهجوم عسكري هاجم بلدتي معرة حرمة بتاريخ 11/10/2012  وفي إحصائية 2017 لمركز إدلب الإعلامي وصل عدد القتلى في البلدة الى 247  منهم 17 إمراة و10 أطفال وسقط حوالي 425 جريح بينهم 40 حالة بتر من الأعضاء، فيما حدثت فيها 5 مجازر.

أغلب الراحلين آباء لأطفال، سند كسرته قسوة الحرب، خلفت الكثير من الأيتام، الضائعون بين مد وجزر المعاناة.

فقد أحد الوالدين يُفقدنا الشعور بالأمن والأمان، ردة الفعل قد تكون تخيلات وأحلام غريبة، أغلب الأحيان لا نمتلك القدرة على التعبير وما بين من يعيش الحرب ومن يشاهدها تضيع طفولتنا وتزداد معاناتنا.  

في غفلة من القذائف  أصيب عنقه  بشظية قاتلة  اقتلعت حنجرته،  التي طالما غرد بها “حرية”، غطت الدماء قسمات جسمه، وحدها عينيه الزرقاوين راقبت الحدث، جاؤوا به محملا على أكتافهم بموكب يليق بشجاعته، وجهه  مغطى بوشاح أبيض،  الدار حزينة تغص بالبواكي، وحدي أنا كنت بلا دموع ولم أصدق ما حصل، ضاع صوتي بين غصات الوجع، اقتربت أرفع الغطاء، أنظر إليه النظرة الأخيرة، أقبله قبلة الوداع، سقطت دموعي حينها بغزارة، حملوه إلى مثواه الأخير، عند شجرة الزيتون وقفت أمي تودعه من بعيد، مصاب الفقد أنهك جسدها النحيل.

ما أطولك أيها الليل، لا أستطيع النوم ، أفكر في شكل الحفرة التي تحتضن جسد والدي،  فيما إذا كانت ضيقة كوطني الذي ضاق بنا. سنوات مضت قبل أن أكتب له مرة أخرى، أريد أن أحضنه قليلا فأنا دونه أكاد أفقد ملامحي، طيفك لا يغادرني؛ أنسى كل مدن بكائي وتعود عينيك ملاذي الذي ليس لسواها دروب، علقت صورتك في كل مكان، كتبي، جدران غرفتي،  داخل محفظتي و أول صفحة من كتابك الذي لم أنم يوما دون أن أحضنه لأنه يحمل رائحتك.

دعني ألملم بعض الحروف من العتمة التي تسكنني لعلها تنسج بعض كلمات تليق بإنسان مثل أبي.

المطر ينبىء بما هو قادم، ركام مشاعر أنفقها دفعة واحدة في يوم  يوافق تاريخ  رحيله، محتاجة أن أحضن كل الذين رحلوا فداء للوطن لعلي أجد فيهم التاريخ الذي قتلته حكايات الحرب المنقوشة دون أنامل على مفارق الدروب ومآقي العيون.