بعدسة المدونة إيمان الديراني - إدلب - كانون الأول 2017

مع أول خيوط الشمس قابلت أبو عامر وهو دافع عربته، حتى أوقفها عند المفرق وبدأ بتلميع ثمار الرمان بقطة قماش مبللة، لتبدو متلألئة كالجمان، وقد ملأت أصوات الباعة أركان الشارع: “ع المونة يا رمان”، إيذانا ببداية موسم الرمان، ولكن ما نبه ذاكرتي رائحة بخار عصيره المختلطة بدخان موقد الحطب المنبعث من حارات وبساتين البلدة، فأرى جدتي عند باب دارها، تحرك بكفكيرها الكبير، قدر عصير الرمان، الموقود تحته الحطب، ثم تجلس بالقرب منه على صخرة صغيرة، وبمنديلها تمسح  العرق ودخان الموقد عن وجهها ورقبتها، ترفع كفكيرها لأعلى وتهزه وتصرخ بنا: “لا تقربوا لهون إلعبو بعيد لتئذو حالكن النار مو لعبة”.

أما داخل الدار فتتوزع الأعمال بين شابات في المطبخ يحضرن الغداء، وأمهات بساحة الدار يعصر الرمان، وأطفال يمرحون بحرية، لتغافل الأهل عنهم، فهو يوم مهرجان تجتمع العائلة به يقضونه بين مرح وتعب.

لا يكاد بيت شامي يخلو من عناقيد ثماره المنضودة بحبل كعقد الياقوت تزين جدران بيت المونة، وقارورة دبسه تتصدر رفوفه، فهو محسن لكثير من الأطباق، وعلاج لبعض الأمراض، وكما يقولون: “نص أهل الشام مشايخ والنص التاني أطباء”، فجدتي كان يمثلها هذا المثل، كانت تصف دبس الرمان  للإسهال، وضعف القلب، ونزف اللثة، والنزيف الحاصل إثر الولادة، وقولاع الفم واللسان، وقشره المجفف والمطحون، تصفه بعد خلطه بالحناء لقشرة الرأس وتساقط الشعر ونعومته ولمعانه، وكان لجدّي قارورته الخاصة، لعلاج السكري المصاب به لا تفارق طاولة سريره.

تقنعنا جدتي بجدوى الرمان في العلاج بقولها :”الرمان فاكهة مباركة من ثمار الجنة لهيك فيها الشفاء سمّ الله واشرب وشوف كيف بتطيب”.

لفت انتباهي اليوم وأنا أتصفح الفيس بوك خبر علمي، يتحدث فيه الدكتور جميل قدسي دويك، عن  دراسات علمية متقدمة، أظهرت فوائد الرمان في العلاج والوقاية من السرطان، لاحتوائه على مضادات أكسدة، ومما أثار دهشتي، دوره الفعال في علاج الأمراض التى كانت جداتي تصفه لها، وقد نصح  التقرير بكوب عصير منه  متوسط الحجم يوميا لعلاج فقر الدم، وقشره المجفف والمطحون يحتوي مضادات أكسدة عالية التركيز أكثر من اللب، ويخفض كمية السعرات الحرارية المتناولة، لذلك فهو مفيد في الرجيم، أمّا زهره المسمى جلّنار فهو كالعقيق الأحمر، يسر الناظرين، كانت جدتي تجففه وتستعمل منقوعه كغسول للجروح والتقرحات، وجاء التقرير ليثبت شيء من ذلك، فبعض مكوناته تعمل على تحفيز خلايا يتم بنائها من أجل جمال البشرة، مثل الكولاجين المفيد للبشرة؛ وتحتوي على فيتامين (ج) مما يساعد على علاج البشرة، وتنقيتها من الشوائب وترطيبها وتفتيحها، وحمايتها من علامات تقدّم السن،ّ أمّا شرب مغلى أوراق الرمان، فله تأثير فعال في التخلص من  بعض الطفيليات، كالديدان والبكتيريا الضارة التى تعيش داخل أمعاء الإنسان.