صورة تعبيرية- -بعدسة المدوّنة سلمى محمد- إدلب- كانون الأول 2017

“ماما.. بدي اشتري فستان متل بنت جيراننا”

“بهذه الكلمات تحاصرني ابنتي الصغيرة كلما رأت ابنة جيراننا ترتدي ملابس جديدة. لا أملك قوت يومي حتى أشتري لها فستاناً مع هذا الغلاء الفاحش. أنا في التاسعة والعشرين من العمر، لكن هل تصدق أنني أشعر وكأني في الخمسين!”

تُكمل أم أحمد قصتها وقصة زوجها المعتقل.

“تزوجت من عشر سنين، عندي ثلاثة أطفال، كنا نعيش حياةً مستقرةً هانئة، إلى أن بدأت الحرب. اعتقلوا زوجي بإحدى الحملات، فقط بسبب نشاط أخيه السياسي. حاولت التأقلم مع غيابه. عانيت صعوبة تربية الأولاد. اضطراري للإقامة في منزل أهل زوجي، فبقائي وحيدةً مع أبنائي في بيتي لا يُرضي من حَولي. كان ذلك كلُّ ما في الأمر، إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان.

أخذتني أم أحمد وأنا أجري معها هذه المقابلة عبر هجرتها.

“اشتدت وتيرة القصف. حملةٌ عسكريةٌ شرسة. قررنا كمعظم أهل المدينة الفرار والنجاة بأرواحنا وأولادنا. خرجنا دون أن نحمل أموالنا وممتلكاتنا من أوراق ثبوتية ومصاغ، هنا الطامة التي حلّت بي، بعد أن كان مستوانا المعيشي ممتاز، أصبحت بلا زوج، ولا أهل، ولا منزل، ولا مال، وثلاثة أطفالٍ جياع.

كان لا بدَّ أن أبحث عن أي عملٍ لتأمين لقمة العيش.

أعمل اليوم كمُدرّسةٍ أتابع الطلاب في المنزل، ومساعدة خيّاطة أستفيد من بقايا القماش الزائدة عندها لأخيط الثياب لي ولأبنائي، وهذا ما يجده أطفالي صعباً ولا يروقهم، فهم يحبون شراء الملابس الجاهزة مثل أقرانهم، ولكن ما باليد من حيلة، فأنا مجبرةٌ على ذلك، بل يكاد الأمر يكون عليّ أصعب، كل ليرةٍ أجنيها أحسب لها مئة حساب، هل ما سأشتريه بها من الضروريات، أم يمكنني الاستغناء عنه؟

غرفةٌ صغيرةٌ جدرانها مهترئة، تملؤها رائحة العفن والرطوبة أقيم بها، عوضاً عن ذلك البيت الكبير، المليء بالأثاث الفاخر، ومع ذلك يجب أن لا أضعف أمام أبنائي الذين يستمدّون القوة مني”.

“يُضاف إلى العبء الثقيل الذي أحمله عذاب زيارة الأفرع الأمنية للسؤال عن زوجي المعتقل البطل. علّي أحظى بخبرٍ عنه أو زيارة. تحكّم بعض ضعاف النفوس بنا وطلب مبالغ مالية كبيرة مقابل إخبارنا عن مكان وجوده، أو إن كان حياً أم وافته المنية. ناهيك أنّه مع استمرار تغييبه يصبح في عداد الموتى تحت التعذيب وتبدأ ضغوطات من حولي للزواج بآخر.

آثرت الوفاء لبطلي الذي كان لي سنداً وعوناً، وسأبقى بانتظاره مهما طال الأمد، لكن الكثيرات كانت ظروف الحياة القاسية أقوى منهن، وتقبّلن فكرة الزواج مرة أخرى”.

تقارن أم أحمد بينها وبين مثيلاتها فتقول:

“أخبرتني صديقتي عن صعوبة مواجهة أسئلة صغارها عن سبب استبدال والدهم، مما أرغمها على القول أنه قد توفي”.

لكن السؤال الذي لا يفارقها هل هو قد مات حقاً أم أنه ما يزال على قيد الحياة؟ وهل سيخرج من السجن يوماً؟ وإن خرج، ماذا ستقول له؟ وكيف ستواجهه؟