العين الزرقاء - بعدسة المدوّنة ميرنا الحسن- دركوش- إدلب- تشرين الأول 2017

بعد استقرارنا في إدلب. قررت العائلة الذهاب في رحلة إلى مدينة دركوش المعروفة بجمالها ومياهها النقيّة. كما عادة السوريين، حضّرنا كلّ شيء لهذا “السّيران”. دركوش اليوم هي غوطة السوريين الأخيرة ووجهتهم السياحية الوحيدة على أقل تقدير في مدينة إدلب وأريافها.

ما كادت تطأ أقدامنا تراب المكان حتى هرع إلينا مستثمر “الشاليهات السياحية” المترامية على ضفّتي العاصي وبعد الترحيب دخل علينا بعروض الأسعار لتلك “الشاليهات” التي صُنعت على عجل من خيام الأمم المتحدة وقليل من الأخشاب وغيرها من المواد البسيطة.

على الضفّة الغربية الخيمة بثلاثة آلاف أما على الشرقيّة فالخيمة أغلى قليلاً.

حيّدت صغيرتي زهراء صراعها مع أختها أروى لتصرّ بأن علينا أن نذهب إلى الضفّة الأخرى فهي أجمل.

كانت العبّارة بانتظارنا، طفل في الثالثة عشرة من عمره يسحبها بحبل مثبّت من الضفة إلى الضفة، وهي تطفو ببراميل أُلصقت عليها قطعة حديد مسطحة. ملامح الطفل يملؤها الأسى، وكفّاه الغضّتان شقّقهما ذاك الحبل الثّخين. حاولنا ممازحته، لكنّه أعرض بوجهه عنا مبتسماً. أعتقد أننا أحسن حالاً منه، لا يعرف أننا كلنا نازحون ولكلٍّ آلامه.

تأبى ذاكرتي الكسل، ترجعُ بي آلةُ الزمن إلى تلك الساعة، التي تعتصر أحشائي ألماً  لذكرها. أتى إليّ ولدي علاء مع أبناء خالاته، زائراً من داريا في إجازةٍ. حدّقت بي أخته وقطّبت جبينها غضباً بعد أن خرجوا لإصلاح جوّالاتهم: “وبعدين معك ليش ما تمنعيهم من الرجعة ع داريا، عم تستني لنفقد حدا منهن، والله روحتهم عالبلد انتحار”.

لم أتفوه يومها بكلمة، بقيت صامتة أفكر بكلامها، إذ دخلت علينا جارتنا، تخبرني أن القصف بالمعضمية خلّف ضحايا وأشلاء، وحددت المكان عند جامع الزيتونة. فزعنا جميعاً فعلاء والشباب هناك، هرعنا لجوّالاتنا نتفقدهم. اختطفت قذائف النظام ولدي ونجى أولاد أخواتي، فقد كان قدره ينتظره بالمعضمية لا في داريا التي كنّا نخشى من وجوده فيها. تفيض عيناي وأغصّ بالعبرات، ولكن أدفع حزني بذكر الله.

حمَلنا مع زوّادتنا كاميرا لنوثّق فيها بعض الفرح الذي غادرنا منذ رحيلنا عن داريا مهجّرين قسرياً تاركين فيها كلّ شيء ولا شيء. نحاول نفضَ تلك الآلام المتراكمة ونصطفّ لأخذ صورة جماعيّة بعد أن عبرنا النهر، أطلب منهم: “اطلعوا هون، اضحكوا ظبطوا وقفتكن سارة، نور، “علاء”، محمد”، حملق بي الجميع، فما ذكرُ علاء هنا؟!! أنتبهُ وأصلح الموقف قبل إفساد سرورهم، لم يعلموا أنّّي معه في ذاكرتي وقلبي كل يوم وكل ساعة.

بعد زيارتنا للعين الزرقاء في دركوش، اتخذنا طريق العودة على الأقدام. عبرنا قرب زوجين في عامهما الأول يجلسان على ضفة النهر. يرسمان المستقبل بعود صغير على التربة الطينية. مستقبل لا يمنعه الفقرُ ولا التعب ولا وهنُ الأيام. حلمٌ جميل يزهر على ترابٍ يغسله ماء نهر العاصي.

سوف لا يبقى لهذين الزوجين إلا بعض صور التقطاها هنا، كما بقيت لنا تلك الصورة الجماعية.