رسم المدوّنة إيمان الديراني- إدلب- كانون الأول 2017

يجلس محمد على صخرة ملساء. يتكئ على بندقيته مصغياً لأزيز الرصاص، حتى إذا اطمأنّ استأنف حديثه: “كان ذاك اليوم آخر عهدي بها، بكت بمرارة”. أشاح بوجهه متصنعًا الثبات والقوة. ينكر شوقًا يخدق في عمق قلبه.

دعني أخبرك قصة محمد وسمر.

تحدّد موعد زفافهما. بدأت العائلتان التحضير لحفل كبير.

فرشت سمر ثوبها الأبيض الجديد، على سرير أمها. لم تصحو من حلم يقظتها البهي إلا عندما رنّّ هاتفها… “يا بنتي اذا اتصل محمد لا تردي… محمد اعتُقل”، كان صوت حماتها الباكي دون أي إضافات.

يتلمس محمد بندقيته ويكمل: “اعتقلت عند حاجزٌ طيّار تابع لقوات النظام. كما العادة أخبروني أنه سؤال صغير. طال الوقت عاماً، لم يترك لي سجّاني فيها هنيهة لاتنفس. لقد نسيت تحت التعذيب كل شيء، وما تذكرت وصية من سبقوني في الاعتقال، بالتخلص من خاتم الزواج، حتى سألني الضابط مرة، “انت متزوج؟”، متبعاً سؤاله سيل شتائم معتادة.

أجبته بأني خاطب، ورأسي يحاكي الأرض خوفاً من صفعاته المتوحشة. فرد علي الإجابة شلالاً آخر من الشتائم، صارخاً: “لن أدعك تنجب …..  مثلك”.

انهال عليَّ بالضرب وطلب “القبضة”، ليركز الكهرباء على أعضائي التناسلية. لست إلا واحداً من الذين تعرضوا للعنف الجنسي والإخصاء. معظمنا صمت عن مصابه خجلاً.

خرجت من سجون المخابرات الجوية، بعد عام قضيته لتشابه الأسماء!!!

لم يكن خروجي أفضل حالاً، كانت داريا تنزح نحو السماء. مر شهر والألم يزداد ويزداد. آلام لا تقف عند الجسد وأوجاعه بل نال مني القلق والإكتئاب. وبعد صد ورد مع الأطباء أجريت التحاليل المطلوبة، وتأكدت مخاوفي. لا آمال عندي في الأبوة.

دعنا نترك محمد ليستريح، وأخبرك أنا البقية.

أخبر سمر كل التفاصيل، على أن تبقى سراً. الأسرار في بلاد الحرب كما الذخائر تصرخ عالياً ها أنا ذا… عرفت القصة. بدأ أهل العروس إقناع ابنتهم بالتخلي عنه، عاندت ورفضت ولكن لا مفر. تركته تحت ضغط محمد. رفض لها الخوض في هذه التجربة. تباعد الأحباب وبقيت الذكرى والرسائل بينهما. كُسر قلب سمر، وسُلب محمد بهجة الحياة.

همَّ محمد بالوقوف، وضع بارودته على كتفه، معلنا نهاية حديثه. برقت عيناه بالأمل… لينهي ما بدأه: “أنا بانتظار رسالة مفرحة، أشعر أنني سوف أقرأها في يوم قريب، تخبرني بلقاء قلبينا”.