تهجير أهالي داريا 2016 بعدسة المدوّنة سلام الشامي

جلتُ في خاطري أبحث عن بداية لقصة التهجير. عبثاً… فكلّما ظننت أنني وصلتُ لحدث هو البداية، أكتشف قبله أحداثاً وأحداث.

استرجعها كلها. أقلّبها في ذاكرتي، علّني أهتدي لبداية قصة تهجير أهالي داريا.

لم يكن الجوع…

ولا الحصار…

أتراه القصف…

لا…

إنه شبح الظلم الذي رفضنا البقاء في ظلّه. مازال يلاحقنا ونهرب منه مسرعين، عشنا لنروي تفاصيل هجرتنا لأجيال قادمة علّ التاريخ ينصفنا. هل نخبرهم عن القصف والمعارك والحصار؟ أم عن الخروج مرغمين مقابل الأمان؟

26 آب 2016 لن يمحى من ذاكرتي وذاكرة كل من عاش على أرض داريا. اتخذوا قرار تهجيرنا. دخل الاتفاق حيز التنفيذ. ظننا الأمر إشاعة، خبرٌ كاذب تتناقله الألسن، لكن الاتفاق أعلن على مسامع الناس في المسجد بعد أن دعتهم اللجنة المكلّفة بالتفاوض لتخبرهم ببنوده. تهجير ينهي حصارًا يفتك بأهالي المدينة كما أخبرونا.

دعني أخبرك أننا أفرغنا بيوتنا وأحيائنا وبيادر الذاكرة في أقل من ثلاثة أيام. صعدنا شمالاً، والبعض فضّل مراكز الإيواء التي يشرف عليها النظام في ريف العاصمة. جمعنا ما نقدر على حمله في رحلة نحو المجهول علينا أن نخوضها. عندما تريد الرحيل تحتار ماذا تحمل معك من ماضيك، حجارته؟ أم سقفه الممزق؟ نوافذه المحطّمة؟ ربما تكتفي بحفنة المفاتيح، ربما؟ يكتفي الأطفال بأن يحملوا ألعابهم، تلك عالمهم وعالَمنا عامر بالفجائع.

حملت أختي الصغيرة حقيبتها المدرسية على ظهرها، جلستْ وفتحَتها أمامي، بدأت تعرض لي ألعابها، بدت ابتسامة طفولية بريئة على وجهها، همست إليّ “لن اتركهم لوحدهم هنا سآخذهم معي، وأحملهم مع دفاتري وأقلامي ودفتر رسوماتي”. صمتّ قليلا ثم رددت قائلة: “داريا حلوة يا ريت فينا نعلّقها بالباص وناخدها معنا”.

انقضى يوم وحلّ آخر.

حزم الناس أمتعتهم. زارت العائلات قبور ضحاياهم. يلقون عليهم السلام، فهم آخر الباقين في داريا. وصلت باصات التهجير الخضراء. تجمّع الأهالي في الساحة. الألم يعتصر القلوب، الأرض كئيبة، البيوت والشوارع وأشجار العنب صامتة حزينة. تلك هي اللحظات الأخيرة.

من يواسي من؟ ليس لنا إلا الطيور مثالاً وشبيهاً. ارتقت أبصار الناس إلى أسرابها وغرقت مقلُهُم بالدموع. ليست رحلة الشتاء ولا الصيف، هي خروج أخير، خروج لا عودة بعده. تخبرنا السماء أننا سنعود. تحوم الطيور وترسم دوائرها المعتادة قبل أن تتابع طريقها.

انطلق كلّ منا في رحلته، حطت باصات التهجير رحالها في مخيمات النزوح. غرف النزوح مأوانا الآمن. أعدّته فرق الإغاثة التي أخرجتنا من بيوتنا.

مدينة العنب والدم، داريا. تنتظر طيورها المهاجرة.